من أبرز المشكلات التي تعاني منها مدينة الباحة الزحف العمراني على المسطحات الخضراء والمدرجات الزراعية، وقد تزايدت المشكلة في الفترة الأخيرة مما ينذر بخطر حقيقي، يتمثل في إزالة ما تبقى من تلك الثروة الطبيعية التي أوجدها الخالق، ومن المدرجات الزراعية التي بناها الإنسان منذ آلاف السنين وبقيت كخزان مائي ومصدر غذائي مهم تنتج الحبوب والفواكه إلى قبيل فترة قصيرة، وبعد أن هُجرت الزراعة في الآونة الأخيرة، امتد العمران إليها في علاقة غير منسجمة، ويمكن تشبيه ذلك الزحف كمخالب حادة تنهشها واحدة تلو الأخرى، وأخذت تتقلص بشكل يثير الأسى والحزن، ولربما بعض يرجع السبب إلى التزايد السكاني كأحد أهم الأسباب في حدوث هذه المشكلة، إذ يضطر كل فرد البناء في أملاكه الزراعية الخاصة ليوفر سكنا يأويه وأهله، إلا أن هناك في ظني سببا أخطر وهو ضعف الإحساس بقيمة تلك المدرجات والمساحات الخضراء، وهنا ينبغي إيجاد الحلول العاجلة والمناسبة قبل أن تتفاقم، ومع مضي السنين يصعب وضع الحلول الناجعة، وجميل أن يستشعر المهندس عبدالعزيز المالكي وكيل أمين منطقة الباحة للمشاريع هذه المشكلة، حيث طرح دراسة عنها، ملخصها ضرورة توسيع نطاق مدينة الباحة بالاستفادة من الأرض الخام الواقعة على السفوح الشمالية الشرقية، وعلى مسافة غير بعيدة عن مركز المدينة، مقدما تصورا دقيقاً، وصورا لطبوغرافية المكان الذي يعد في نظره أرضا خاما تصلح لبناء مدينة جديدة تبدأ من مخطط جدرة وصولا لبني سار، شاملا المنطقة الوسطية بينهما، وحين وقف أعضاء المجلس البلدي لمدينة الباحة ميدانيا قبيل أيام على الموقع، سُرّ كثيراً لهذه الفكرة الرائدة على شريطة توفير كل الخدمات من مدارس ومراكز صحية وخدمات أمنية أسواق تجارية، مع تهيئة البنية التحتية «كهرباء تلفون ماء صرف صحي طرق جيدة» متفائلين أن المكان المقترح سيخدمه أيضاً مرور الطريق الدائري الجديد الذي تنفذه وزارة النقل، مما سيكون له الدور الفاعل في الربط بين المدينة الحالية ومدينة المستقبل إن جاز التعبير، وهنا يمكن فك الاختناق عن مدينة الباحة بحكم طوبوغرافيتها الجبلية بفتح فضاء أرحب نحو الشرق وتوسيع نطاق المدينة ليستوعب التزايد السكاني والعمراني في السنين المقبلة، ومما يعرفه الكثيرون أن إنشاء المدن يأتي بفكرة ثم تتنامى لتصبح واقعا بالعزيمة والإرادة القوية والتخطيط السليم، وأكبر شاهد تأسيس مدن كالقاهرة والرباط وبغداد وغيرها من المدن التي أصبحت فيما بعد عواصم ضخمة، وحين أورد هذه الأمثلة يعني أنه ليس مستحيلا بناء مدينة جديدة تتناسب وتتناغم مع روح العصر ومتطلبات الحياة المعيشية، ومبررات ذلك أن سلة الغذاء ورئة التنفس لمدينة الباحة تتقلص يوما بعد يوم، بسبب الزحف الإسمنتي المهول، فيما تشكل المسطحات الخضراء والمدرجات ثروة ليست اقتصادية أو جمالية فحسب بل ثروة أثرية يجب الحفاظ عليها، إذ بنيت منذ آلاف السنين وبقيت كمورد أساس لاستقرار السكان، وحين أهمل الأهالي الزراعة وهجروها لظروف الحياة المعيشية التي جعلت كثيرين يتجهون إلى الوظائف الحكومية، فإن العودة للزراعة حتما ستكون في مقبل الأيام باعتبار الزراعة مصدر رزق لا يمكن الانفكاك عنه، وحين لا تجد الأجيال المقبلة أرضا تزرع عليها، سنكون نحن الذين فرطنا فيها بعدم محافظتنا على هذه الثروة المهمة التي بناها وتركها الأجداد لتبقى لمئات السنين، ولمّا كانت الفكرة جيدة بكل المقاييس فإن من الضرورة بمكان عمل مخططات نموذجية تتوفر بها كل الخدمات بالاستفادة من بيوت الخبرة، سواء من داخل المملكة أو خارجها، ويمكن الاستفادة من تجربة اليابان التي تغطي الجبال حوالي 80 % من مساحتها، وهنا يمكننا الحفاظ على هوية الباحة الزراعية والسياحية ببقاء مدرجاتها كلوحات أبدع الانسان في تشييدها ورسمها بإتقان على الطبيعة، لتكون كأجمل وأغلى إرث إنساني لسكان الباحة، والمأمول أن تتضافر جهود المصالح الحكومية وأيضا الأهالي لمساندة الفكرة وتأييدها ودعمها، لتصبح واقعا ملموسا بإنشاء مدينة المستقبل للباحة، كما أتمنى استزراع شجر العرعر في المناطق التي تعاني من التجريد البشري، وتشجيع الأهالي على صيانة المدرجات الزراعية واختيار المحاصيل الزراعية التي تتواءم ومناخ المنطقة، كي يعود بهاء المنطقة وقيمتها وجمالها الزراعي والسياحي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٧) صفحة (١١) بتاريخ (٢٧-٠٦-٢٠١٦)