رائد أنيس الجشي

رائد أنيس الجشي

أن تكتب في فوانيس الأمل يعني أن تكتب بعد تكون الحروب والمآسي بخلايا جسدك. أن تعيش الدمار كحياة يومية منذ الطفولة. أن تكون شابا وشاعريا وتعبر عن ذاتك بلغتك ولغة عصرك لا عن رأي حزبي ولا لغرض، إضافة إيقاع لخطاب سياسي أو انحياز إلا لذاتك كإنسان ووطنك كأم محايدة في احتضان الوطن بمحبة رغم جراحها وآلامها. أن تشعل فانوسا في الحاضر وتطلق أمنية بشعاعه الذي يحارب العتمة وتوجهه تلقاء أشعة فوانيس أخرى تشاطرك الهم والحلم محاولا إيقاظ الأمل. هذا ما قد تراه في هذه التجربة الشبابية العراقية التي لم تتجاوز أعمار المشاركين فيها الـ 24 ربيعا كلهم عاشوا التجربة وتشكلوا بها ورغم تأثر بعضهم بالشعر العراقي الأصيل او الشعر التفعيلي الخلاق إلا أنهم كتبوا ذاتهم هنا كتبوا مشاعر عصرهم وجيلهم بلغات أتقنوها، كتبت نصوص التجربة وترجمت من وإلى العربية والكردية والإنجليزية كجهد جميل بنكهة بغداد عاصمة الثقافة القادمة لليونسكو، وهذا ليس بغريب على مدينة الثقافة الأزلية أن تحتضن كل التجارب الأدبية على اختلافها وتنوعها، مترفعة عن الصراعات السياسية والطائفية ومتجاوزة إياها بالتعاون مع برنامج الكتابة الدولي بأيوا (عاصمة الثقافة السابقة)، وكأن المشروع انتقال شعلة أولمبية بين عواصم لثقافة. شعلة من نور والشعراء لا يرون النور في كل مكان وحسب كما يرى الشاعر كريستوفر ميلر في تمهيده للكتاب، بل يحاولون خلق هذا النور في العتمة، ولعلني أقتطف من نص الشاعر راهوز كاميران رشيد (والأصل من الكردية السوريانية) حين يقول: تأخر الليل/سأبني للنجوم مقهى/ كي لاتنام. ومن لافا درويش (والأصل بالإنجليزية)
(أرى الغضب يبرق في عيونهم/ وينغمر في عيوني/ لو أنهم أحبو الحب/ لو أنهم يستطيعون رؤية حبي: فالحب الذي أملك يمكن أن يمثلهم جميعا) ومن الأصل العربي لحسين الرهيف: حين يقول (ستكون «جدواي» مسكنات موت لذيذة المجاز/ لكني لم أستطع بعد هذه «الجدوى»/ أن أشطب بقعة دم صغيرة/ لما تزل على جبين والد ذلك الطفل: كشق في قميص أوراقي). إن صناعة الأمل وعيش الواقع كما هو بشاعرية الألم كما في نص عبد الله الجميل (في الفجر نصحو على طعنات قاتلنا/ وفي المساء قبور تشتهي المطر) واستمطار السعادة كما في هايكو سامي داود (أحدق فيها وأدخن سيجارة/ آه، لا تلمحنا السعادة/ حتى ترسم للألم والدخان حدا) واللا مذهبية كما في إنجليزية عيسى الثلث (على نفس الحائط/ داخل بيتي/ هناك ضريح لبطرس وضريح لعلي. الذي يختم نصه بـ (في ذلك الكون المعزول/ تتصارع الأفكار لا الأسلحة) هي بعض السمات التي نمت وماتزال تواصل نضوجها مع تجربة الـ 22 شابا وشابة من العراق. وكون النصوص جميعها مكتوبة باللغات الثلاث فهي أيضا مجال خصب المقارنة ومحاكمة الترجمة أو البحث عن سببها وتفهم الاختلاف في التفسير أو التأويل النصي المصاحب لها كثراء فكري وروحي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٧) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-٠٦-٢٠١٦)