فاطمة عقيلي

كَسَرهُ الفقد والغياب لذلك الصرح الشامخ والسند، فباتت لياليه أشدّ برودة يفتقدُ لذلك الحس في أركان المكان ليُدْفِئَهُ، أصبحت أيامه شبيهة ببعضها لا فرحة تكتمل ولا حزن ينتهي.. هو ذاك «فاقد الأب».
كيف سيستقبل العيد والانكسار في قلبهِ وملامح الأسى تكسو ملامحهُ البريئة، من الذي سيمسك بيده ليأخذ له كسوة العيد، ومن الذي سيربت على كتفه للذهاب إلى مصلى العيد، ومن الذي سَيُعَانِقُ ويقول له «كل عام وأنت بألفِ خيرٍ يا أبي»؟، الذي قد استبدلها منذ زمن بـ «رحمك الله يا أبي»!.
بشائرُ العيد تلوح ولا يضيف العيد لهُ إلاَّ زيادة ألم لأنهُ يوم الفرحة والبهجة والصحبة الطيبة وهو يفتقد أغلى صاحب ورفيق، الذي كان حسُّهُ يملأ المكان وضحكاته تتعالى أصداؤها في الأرجاء، هل يوجد هناك من يغنيه أو يعوضه عنه ويحل محله؟!.
يعلمُ أنَّ في غضبهِ وتوبيخهِ لهُ خوفاً عليه، وأن في دعواتهِ نوراً لهُ في طريقهِ، وأن في مشورتهِ وتوجيههِ رأياً صائباً يوقفهُ على سلَّم النجاح والتوفيق.
كان يوم فقدهِ كيوم غروب الشمس وظلام الدنيا حتى إنْ عادت وأشرقت لا يستشعر شروقها وضياءها، أظلمت الدنيا برحيلهِ ووداعهِ الأخير، غابت الابتسامة وتوقفت فرحة القلب على بقايا ذكريات مخزونة في الذاكرة.
اليتيم لا حول له ولا قوة في هذه الدنيا وقد شاءت الأقدار أنْ يكون يتيماً، ويكفي شعوره بأنه محروم من العاطفة والحب ومهما حواه من حوله يبقى شعوره بالفقد يستحوذ على قلبه، وتبقى حكمة الله سبحانه وتعالى في ذلك بالغة.
علينا ألاَّ نكتفي بيوم اليتيم العالمي لكي نشعره بوجوده وحقوقه وأنه جزء من المجتمع، هذا اليوم الذي بعد انقضائه مع الأسف يعود كل واحد إلی أدراجه، يجب أن يتحول إلی أيام وأسابيع للوقوف علی أوضاع اليتامى واحتياجاتهم وتوفير الحماية لهم، فلنبحث عن اليتيم سواء كان في دار رعاية أو في كفالة أسرة أو يعيش مع أقربائه أو إخوته ولْنتلمس حاجاته وأمنياته ونشعره بأنَّ الحياة مازال فيها من الخير الكثير وأنَّ القلوب مليئة بالحب وأنه هو الوطن للوطن، وهو العطر الشذي لذلك الرجل الذي رحل وتركه خلفاً له، وأنَّ مهما فقدنا من أشياء هي النعش لقلوبنا فالله كفيلٌ بأنْ يجبر القلوب مهما بقي مع الزمان من آثار الألم، وتذكيره بأنه ترعاهُ بعد الله دولة تقودها حكومة رشيدة سخرت له الرعاية النفسية والمادية والصحية والتعليمية والترفيهية حرصاً منها ألاَّ تشعرهُ بالنقص وحتى يعيش في مجتمع هو جزء لا يتجزأ من كيانه يسوده التكافل الاجتماعي الذي حثَّ الإسلام عليه ولا موطن للعنصرية فيه.
وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من أوائل الذين لمسوا آلام اليتيم وأحزانه، ومن ثمَّ اهتم – صلى الله عليه وسلم – باليتيم اهتماماً بالغاً من حيث تربيته ورعايته ومعاملته، وضمان سبل العيش الكريمة له، حتى ينشأ عضواً نافعاً، ولا يشعر بالنقص عن غيره من أفراد المجتمع، فيتحطم ويصبح عضواً هادماً في الحياة.. فقال – صلى الله عليه وسلم- حاثّاً وآمراً ومحفزاً على رعاية اليتيم «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً»، فهل هناك جزاء أعظم من هذا الجزاء وهذه المنزلة العظيمة وهي صحبة أطهر خلق الله ورفقته في الجنة؟!. ليس ذلك فحسب فقد جعل الإحسان إلى اليتيم علاجاً لقسوة القلوب فبالإحسان يلين القلب، وبشّر عليه الصلاة والسلام من أحسن إلى اليتيم ولو بمسح رأسه ابتغاء وجه الله بالأجر والثواب الكبير، حيث قال صلى الله عليه وسلم «من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات». يا لها من فضائل وأجر، سبحانك ربي أنت أرحم الراحمين.
ومضة:
امسح على جرح اليتيم برأفةٍ، واسقه من حنانك رشفة، فمكسور القلب يصعب دواؤهُ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦٧) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-٠٦-٢٠١٦)