وأنا أتصفح قصة قتل التوأمين اللذين ارتكبا أبشع فاجعة إنسانية في حق أمهما تلك الجريمة التي لم تصدقها مدينة الرياض وهي تشيع جنازة الأم وتعود بخطاها الحزينة وهي تسأل لماذا؟ كنت أقلب كغيري بين الأوراق والأخبار لأجد مبرراً يجعل هذين الابنين يصلان إلى مرحلة التجرد من القيم والمشاعر بقتل أمهما وإغراق آخر محطات النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، ولم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير في قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش التي قال في مطلعها «أحن إلى خبز أمي.. وقهوة أمي.. ولمسة أمي.. وتكبر في الطفولة.. يوماً على صدر يومِ.. وأعشق عمري لأني.. إذا متُّ.. أخجل من دمع أمي».
تلك الكلمات التي حركت مشاعر الملايين لارتباطها بالأم على الرغم من بساطة لغة درويش إلا أنها تحولت إلى أغنية تعبر عن الحنين والانتماء للأم التي هي مصدر الأمان والراحة والاطمئنان؛ فعندما كتب درويش قصة هذه القصيدة في أحد لقاءاته الإعلامية قال: «نشأ شعور دفين في قلبي مفاده أن أمي لا تحبني مثل باقي إخواني ومرت الأيام وأنا أحمل هذا الشعور المأساوي في قلبي إلى أن اعتقلتني السلطات الإسرائيلية وأدخلتني السجن، وعندما جاءت أمي لزيارتي ومعها القهوة والخبز منعوها من إدخالهما وسمعتها وهي تحاول بكل ما أوتيت من قوة لتوصل إليّ الخبز الذي خبزته بنفسها والقهوة التي أعدتها لي، ولما سمحوا لها بالدخول احتضنتني كطفلٍ صغير وهي تبكي فبدأت أُقبِّل يديها كما لم أفعل من قبل وعندئذٍ انهار الجدار الذي كان بيني وبينها واكتشفت أني ظلمت أمي عندما وعندما، غادرت ولم أكن قادراً على البوح لها بأحاسيسي، مكثت ذلك المساء نادماً وقررت الاعتذار لها في قصيدة فكتبتها وأسميتها (قصيدة اعتذار) ولم يكن مسموحاً لنا بورق الكتابة فكتبتها على ورقة الألمنيوم لعلبة السجائر وأخذتها معي خلسةً عندما خرجت من السجن».
ظللت أسأل نفسي ماذا سيكتب هذان التوأمان على جدران السجن عن هذه الفاجعة التي انتهكت فيها أعظم مشاعر الوفاء للأم التي احتفظت بمكانتها على مر التاريخ وفي جميع الرسالات والأديان؛ تلك التي حملت توأمين بجهد مضاعف وعانت في حملها وتربيتها لهما إلى أن أصبحا شابين يافعين ليتمكن كل منهما من حمل سكين وتسديد طعنة قاتلة إلى قلبها الحاني ليتناثر دمها ويغرق ما تبقى من لحظات حياتها التي تشردقت وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بينما هي لا تصدق الطعنات الموجهة إليها وأنها جاءت من أحب الناس، كانت مذهولة وهي ترمق بقع دمائها على ثيابهما البيضاء وهي تتمنى أن تستيقظ من هذا الكابوس لتعود لاحتضانهما وأن تعود لغسل ثيابهما البيضاء ولتتسامح وتقبل كل المبررات والأعذار عما بدر منهما بكل رضا.
تساءلت عن رسائل الاعتذار التي يمكن أن يتجرأ كل منهما على كتابتها لأمه وماذا سيقول لها؟ وكم من الرسائل يحتاج لتبرير هذه الفاجعة التي يحتار العقل والقلب والشعور في وصف بشاعتها؟ وأي دين يمكن أن يمجد مثل هذا التصرف الظالم لجميع الأطراف.
فمن سيحاكم قتلة الأمهات والأقارب والأهل؟ العدالة أم الضمير أم مرارة القصة التي تبشر القتلة بالموت ألف مرة قبل الموت عندما لا تغيب ذكريات وجهها عن البال وعندما يعود العقل إلى صوابه ليعلم أن هناك من تلاعب بمشاعر هذين الشابين من صغار السن وقام بإقناعهما بتسديد الضربة الموجعة إلى قلب أمهما دون أن يهتز لهما جفن لسماع ندائها ومناشدتها ودون أن يرق القلب لصوتها الملائكي السابح في مسارب الضوء الذي طالما كان حنوناً هادئاً ناصعاً كحزمة الضوء وأوراق الياسمين.
كل ذلك لم يشفع لها كي يردع السكاكين والخناجر، لم تشفع لها قصص الحب والحنان والعطاء والتضحية وطول سنوات التعب لم تشفع لسقوطها الأخير أرضاً بعد أن تيقنت من فظاعة النهاية ولا عزاء للأمهات.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧١) صفحة (١١) بتاريخ (٠١-٠٧-٢٠١٦)