تفجيرات مطار إسطنبول التركي التي قتلت أكثر من أربعين شخصاً، هي عمل إجرامي مدان ومستنكر من قِبل كل الناس الخيِّرين الذين يبحثون عن الاستقرار والسلم والطمأنينة. لم يفرِّق القاتل بين الناس والأمكنة، كعادته، إنما بحث عن مزيد من الضحايا متوهماً نصراً عليهم وهم عزَّل. هذه الإدانة تمتد أيضاً إلى جريمة تنظيم داعش في قرية القاع اللبنانية التي فجعت بخمسة شهداء وعشرات الجرحى إثر عمليات انتحارية بأحزمة ناسفة، نفذها انتحاريو التنظيم الإرهابي قبل ثلاثة أيام. الجميع يعرف أن هذا التنظيم لن يتوقف عن إرهابه، فهو يرتكز على تمويل ودعم لوجستي كبيرَين، جزء منه واضح ومعروف مثل مبيعاته من النفط الذي يستخرجه من المناطق التي يسيطر عليها في العراق وسوريا، ويبيعها بأسعار تشجيعية لشركات أضحت معروفة لمتتبعي أصل النفط، والمسارات التي تتخذها شحناته الداعشية من آبارها حتى وصولها إلى المستهلك، وبينهم بالطبع الكيان الصهيوني. وهو ما لم يعد خافياً، فمصالح الدول التي يمر عبرها نفط «داعش»، وأرباح الشركات المتعاملة معه، هما مصدر تمويل ما حصل في مطار إسطنبول، وفي لبنان وسوريا والعراق والسعودية والكويت وليبيا، فقد أوجد البغدادي ومساعدوه شبكة من الشركات المنتفعة المستعدة لكسب الأرباح على حساب مواطنيها، والمسألة لا تحتاج الى فذلكات ومعاجم تفسر وتحلل الجرم الداعشي الذي اتهمته تركيا وحمَّلته المسؤولية. «داعش» والجماعات المسلحة في سوريا تسلمت مؤخراً شحنات من الأسلحة والعتاد والتمويل بهدف تغيير المعادلة العسكرية القائمة في الأراضي السورية.
في تركيا، وحيث تتهيأ لموسم سياحي تحلم به، كان توقيت التفجير في أهم مطارات تركيا مقصوداً: السياح هدف رئيس، لكن تذكير تركيا بما تفعله على الحدود هو الهدف الرئيسي. وفي لبنان، لم يكن موسم السياحة هو المستهدف، فقد تم توجيه ضربات عدة إليه بعد التحذيرات التي أصدرتها بعض دول المنطقة لمواطنيها من السفر إلى بلاد الأرز، إنما المقصود تهديد السلم الأهلي، وضرب إسفين بين مكونات المجتمع اللبناني، وهذا بحد ذاته «هدف محرز» بالنسبة إلى الجماعات المسلحة. تفسير اختيار «داعش» توقيت التفجير في مطار إسطنبول يمتد إلى أبعد من التباين بين تركيا والتنظيم. اعتذار أنقرة لموسكو عن إسقاط الطائرة الروسية، وما يترتب من استحقاقات على الجانب التركي يجب دفعها، يقابلهما رفع الحظر عن سفر السياح الروس إلى تركيا، وقد كانوا يشكلون نسبة مهمة من إجمالي السياح الذين يزورون تركيا سنوياً، إذ كان عددهم يصل إلى 4 ملايين سائح، وتراجع الرقم إلى أقل من النصف بعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر 2015، رغم أن الخطة تفيد بزيادتهم إلى 7 ملايين سائح. ويشير وزير الثقافة والسياحة التركي السابق أرطغرل غوناني إلى أن «تركيا عاجزة عن تعويض النقص الذي نتج عن فقدانها السياح الروس بعد تأزم العلاقات». السياحة ليست إلا جانباً من جوانب العاقات التجارية بين موسكو وأنقرة، فقد ارتفع هذا التبادل من 11 مليار دولار في عام 2004 إلى أكثر من 25 مليار دولار في عام 2010، علماً أنه بلغ رقماً قياسياً عام 2008 بوصول التبادل التجاري بين البلدين إلى قرابة 34 مليار دولار أمريكي.
ورغم أن الاتفاقية بين الجانبين التركي والإسرائيلي على تطبيع العلاقات ليست من أولويات «داعش» والجماعات المسلحة الأخرى، إلا أن الموضوع يمكن أن يثري أدمغة بعض المناصرين لهذا التنظيم في الإعلام العربي ليبدأوا التنظير له من هذه الزاوية بالذات، واعتبار التفجيرات رداً على عملية التطبيع مع الكيان، وتراجع أنقرة عن شروطها تجاه فلسطين بعد مهاجمة جيش الاحتلال سفينة المساعدات مرمرة، وقتل عدد من الأتراك وهم على متنها. ويبدو أن تركيا تناست الشروط التي وضعتها لإعادة العلاقات الطبيعية مع تل أبيب، وتريد أن تكون رقماً صعباً في المنطقة حتى إن تطلب ذلك العمل على إحياء الدولة العثمانية من جديد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧٢) صفحة (١١) بتاريخ (٠٢-٠٧-٢٠١٦)