جاسم عبود

جاسم عبود

جاسم عبود

الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي مؤثر ويتأثر بمن حوله، وغياب هذا الشعور يسمى تبلد شعور أو متبلد الإحساس، أحد مسببات هذا الشعور هو تعرض الشخص إلى صدمة تأخذه إلى حالة من الإحباط، كما لو تم نفيه من ملكوت المشاعر والأفكار بعضهم، يرى في هذه الحالة محطة عابرة في حياته المليئة بالتفاصيل ويوما ما سترحل إلى سراديب النسيان وتندثر من الذاكرة، بالعمل الجاد يستطيع تخطي هذه الحالة رغم شعوره بأن هناك من يبرد أنيابه ويبري قلمه تمهيدا لاجتياحه وكتم صوته وينتظر الزلة، إلا أن الوقوف عند هذه المحطات الهابطة من طابور الحياة محاولة بائسة ومليئة بالندم والحسرة إزاء حالة اليأس الكامنة وراء سلوك منطو يشجع آفة الإحباط على التسرب لكسر الطموح وإسقاط الأهداف وموت النجاح.
التبلد حالة تصيب المشاعر والأحاسيس وعلاجها يبدأ من جانب الشخص نفسه، بتجنب الأفكار والمشاعر والأماكن التي تسببت في هذه الحالة، التبلد حالة تخالج النفس وتترجمها المشاعر وفك شفرة التبلد يأتي بالتفاؤل. التفاؤل يزرع الأمل ويعمق الثقة بالنفس البشرية ويحفز على النشاط والعمل، استحضار مكامن القوة الشخصية ولو بالرجوع إلى الأنشطة السابقة ورؤية الإبداع الشخصي من الأمور المؤثرة إيجابيا للوصول إلى شواطئ السعادة والنجاح والخروج من حالة اليأس والقنوط الناجمة عن التبلد.
طبيعة الفنان أي فنان سواء كان كاتباً أو شاعراً أو رساماً يعمل بمشاعره وأحاسيسه وليس بقوة عضلاته ويشعر بمسؤولية تجاه ما يكتب أو يرسم ومن ثم حينما يضيق به الأفق سواء بقلة الموارد أو بفعل فاعل يشعر بحبسة الفنان، أعراض هذه الحالة تتفاوت من شخص إلى أخر وكذلك مدتها تعتمد على الشخص نفسه والمحيط الذي يعشيه.
حبسة الفنان هي الكف والتوقف عن الإبداع وهي حالة تصيب الكتاب والشعراء والرسامين، حينما يقع الكاتب في شباك هذه الظاهرة – حبسة الكاتب – تهرب الكلمات والأفكار من داخله وتجف الحروف في صدره، فيشعر بالإفلاس الفكري، وما أقسى على الكاتب من صمت قلمه، ولا ملاذ آمن للخروج من مغبة هذه الظاهرة المنهكة سوى إطلاق عنان القلم في أي موضوع، حتى ولو اضطر لخفض معايره الكتابية، فالهدف في هذه النقطة الزمنية هو التجديف بقلمه للتصدي لظاهرة حبسة الكاتب والولوج إلى عالم حرفنة وإبداع الحروف.
عديد من الكتاب المحترفين اتخذوا من الكتابة وظيفة، لا يستطيعون مقاومة إلهام الكتابة ويرون في الكتابة المتنفس والرئة الثالثة إلا أنهم سقطوا في شباك حبسة الكاتب، وذلك لأسباب قد تكون خارجة عن إرادتهم كالأساليب التقليدية وظروف ومفاهيم المحيط الذي يعيشونه، ومن ثم على الكاتب محاولة فهم الظروف الخارجية المحيطة به والتكيف معها للخروج من هذه الأزمة والوقوف على شواطئ اللغة العربية واستخرج من لؤلؤها ومرجانها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٧-٢٠١٦)