علياء الموسوي

علياء الموسوي

علياء الموسوي

يقال إن بين العبقرية والجنون شعرة واحدة لا غير، وكثيراً ما يربط علماء النفس بين شدة الذكاء والتصرفات غير الطبيعية لأي شخص مبدع موهوب في أي مجال كان، إذ إنه لا يمكننا أن نوفق على الدوام في الكشف عن سر تصرفات المبدعين من حولنا بسهولة أو ربما نضعهم في خانة الجنون والتخلف العقلي بسبب عدم إدراكنا لتلك السلوكات سواء أكانت ظاهرية، أو مخفية غالباً ما نجدها مدونة في كتاب أو في لوحة فنية تشكيلية. ولكن يبقى السؤال ما السر وراء ذلك؟ أهو جنون حقّاً أم إبداع يفوق التصور؟
هذه العادات السلوكية التي لا نتوقعها من المبدعين تثير فينا الدهشة، فمثلاً الكاتبة العالمية أغاثا كريستي كانت تستلهم أهم مواضيع رواياتها وهي جالسة في حمامها المنزلي، بينما الشاعر الإنكليزي شيللي الذي يعدُّ من أشهر الشعراء الرومنطيقيين كان يحب تمزيق الكتب القديمة ليصنع منها القوارب الورقية ويراقبها وهي سابحة فوق مياه البحيرات والأنهار. يؤكد العلماء بصورة عامة أن هناك تداخلاً لا يمكن تجاهله بين الابتكار والإبداع، فبالرجوع إلى معاجم اللغة العربية والإنجليزية نجد أن هناك تداخلاً ملحوظاً في المفردتين، حيث جاء معنى الابتكار في مختار الصحاح «ابتكر الشيء أي استولى على باكورته». وجاء في المعجم الوسيط «ابتكر الشيء: ابتدعه على غير مسبوق إليه»، أما في اللغة الإنجليزية تشتق كلمة إبداع (Creativity or Creativeness) من كلمة الخلق (Creation)، والفعل يخلق (Create) أصله اللاتيني (Creare) ومعناها يخرج إلى الحياة أو يصمم أو ينشئ أو يخترع أو يكون سبباً. يعرف البروفسور قاسم حسين صالح الإبداع بأنه «القدرة على جعل النتاجات البشرية مثل السيمفونيات أو حلول المشكلات الاجتماعية التي تتسم بالجدّة والقيمة للآخرين حيث تتداخل فيه مفاهيم كالعبقرية والموهبة والابتكار، فمنهم من يفرّق بين هذه المفاهيم ومنهم من لا يضع تمييزاً حادّاً بينها، ومنهم من يرفض تداول كلمة (موهبة)، كونها تتضمن معنى غيبيّاً، ويكون الإبداع هو ذلك الناتج في ميادين الموسيقى والأدب والشعر والرواية والقصة والفنون التشكيلية والفنون المسرحية والسينما التي تتصف بالحساسية حيال المشكلات والطلاقة والأصالة والجدة والتفرد والمرونة وتشكل إضافة جدية إلى المعرفة البشرية في ميدانَي الفن والأدب».
يرى فرويد حول العلاقة بين الإبداع والصراع النفسي أن الصراع هو منشأ عملية الإبداع، أو أن القوى اللاشعورية التي تؤدي إلى الحل الإبداعي توازي القوى اللاشعورية التي تؤدي إلى الإصابة بالعصاب، وبتعبير فرويد، فإن القوى الدافعة للفنان هي نفسها الصراعات التي تدفع أشخاصاً آخرين إلى العصاب وأن تفكير المبدع يستمد مادته من الأوهام المتقنة التي تنطلق بكل حرية والأفكار المرتبطة بأحلام اليقظة والطفولة، وأن الإبداع هو الانتقال من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، حيث إن الهوَس، الكآبة، الوساوس والهستريا من أكثر الأمراض التي تصيب المبدعين في المجالات الفنية المتنوعة وذلك لأسباب تتعلق بتركيب شخصياتهم وطبائعهم ومزاجهم الذي يمتاز بالحساسية وسرعة التأثر.
وعن الخطّ الرفيع الفاصل بين العبقرية والجنون، تحدث لمبروزو في كتابه «صاحب العبقرية» عن هذا الأمر بأنه هناك علاقة وثيقة بين الجنون والعبقرية بصيغة التلازم بين السبب والنتيجة، فالعبقرية في نظره هي حصيلة الجنون أو هي الجنون بحد ذاته. واستدل على الجنون من الناحية الجسدية بما سماه فقدان الاتزان في تركيبة الدماغ من الناحية التشريحية، إما بالتضخم المفرط في الحجم أو بالضمور الملحوظ، أما من الناحية العقلية فإنه وجد إصابة فئة من المبدعين باضطراب عقلي، على سبيل المثال جان جاك روسو الذي كان يخشى البرق والرعد ويظن أن حدوثهما موجَّه ضده.
يتبين لنا أن هناك فعلاً جنوناً يصيب عدداً من المبدعين دون أن نعلم، السبب يرجع لعمق أفكارهم التي تحول على الأرجح بين قابلية اليقين والشك، ليقودهم الحال إلى الهوس النفسي، ذلك لا يعني أن نخلي مسؤوليتنا من إيجاد الإبداع من حولنا. وكما قال مارسيل بروست «رحلة الاستكشاف الحقيقية لا تستلزم الذهاب لأراض جديدة، بل تستلزم الرؤية بعيون جديدة».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٧-٢٠١٦)