في مثل هذا اليوم من هذا الشهر المبارك ابتدأت كتابة هذه المقالات، وها نحن نختم سلسلة هذه المقالات في آخر يوم منه، أسال الله العلي القدير أن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يعيده علينا أعواماً عديدة ونحن في نصر وعزة وصحة وعافية، وكل عام وأنتم بخير.
في ختام هذه المقالات التي أوجزت فيها جزءاً يسيراً من سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، حيث أنصح نفسي أولاً والجميع بأن يتابعوا قراءة سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وألا يبتعدوا عنها، “لأنك لو تأملت في أفعاله عليه الصلاة والسلام وجدتها تقول لك: إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد”.
شاء الله أن يشاهد الرسول ثمار دعوته التي استمرت ثلاثاً وعشرين سنة، وذلك بدخول الناس أفواجاً في الإسلام، وانتهاء الوثنية، وإرساء مبادئ الدين الإسلامي بين الناس، وفي هذه الأثناء عزم الرسول على الحج في السنة العاشرة من الهجرة فأعلن ذلك بين قبائل العرب، فقدم المدينة خلق كثير يريدون مرافقة الرسول في هذه الحجة التي سميت “حجة الوداع”، وسار الرسول ومن معه من المسلمين إلى مكة آخر شهر ذي القعدة، فوصل مكة في الرابع من شهر ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، حيث قطع المسافة في ثمانية أيام، فدخل عليه الصلاة والسلام صباح يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة المسجد الحرام وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحلّ إحرامه، لأنه كان قارناً قد ساق معه الهدي، فنزل في أعلى مكة عند الحجون، وأقام هناك، ولم يعد إلى الطواف غير طواف الحج.
اجتمع حول الرسول في حجة الوداع ما يقارب مائة ألف حاج، جميعهم كان لهم الشرف والعزة في مرافقة الرسول في حجته، وعندما وصل إلى عرفة ووجد القبة قد ضربت له في “نمرة” نزل فيها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب خطبة بليغة جامعة عبارة عن تشريعات ومواثيق تضمنت مبادئ إنسانية عظيمة، وكانت فاتحة خطبته قوله “أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف أبداً”، وبعد أن فرغ الرسول من الخطبة نزل عليه قول الله تعالى “اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً”، وعندما سمعها عمر بن الخطاب بكى، فقيل: ما يبكيك يا عمر؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، ولما انتهى من حجته عاد إلى المدينة.
عندما عاد النبي إلى المدينة بعد حجة الوداع أمر بتجهيز جيش كبير يضم فيه أغلب الصحابة، واختار أن يكون قائد الجيش “أسامة بن زيد” وكان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فلبى الصحابة النداء، وبدأوا بالانضمام إلى الجيش الذي أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فعسكر الجيش خارج المدينة لإنهاء الترتيبات اللازمة، إلا أن الأخبار تواترت بمرض الرسول، وكان بداية ذلك المرض في التاسع والعشرين من شهر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة، فقد شعر بصداع وحرارة شديدة، إلا أنه قاوم ذلك عليه الصلاة والسلام فاستمر في الصلاة بالناس وهو مريض لمدة أحد عشر يوماً، وكان عدد أيام مرضه لا تتعدى ثلاثة عشر يوماً، وعندما اشتد المرض على الرسول جعل يسأل أزواجه: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ فتفهمن مراده رضي الله عنهن فأذن له بالمكوث عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقضى عندها آخر أسبوع من حياته، وفي آخر يوم من حياته عليه الصلاة والسلام اعتق غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي فجر يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة وهو يوم وفاته، وبينما المسلمون في صلاة الفجر وأبو بكر يصلي بهم، كشف الرسول ستر حجرة عائشة ونظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم لهم، فرجع أبو بكر إلى الصف ظنّاً منه أن الرسول يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله، إلا أنه صلى الله عليه وسلم أشار بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، وهذه هي آخر طلة رأوا فيها الرسول، وفي ضحى اليوم نفسه توفي الرسول عليه الصلاة والسلام وعمره ثلاث وستون سنة، وعندما انتشر الخبر ارتجت المدينة من أرجائها، وأظلمت على أهلها آفاقها، ووقف عمر من هول الصدمة وقال: إن الرسول لم يمت، لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ثم رجع إليهم، فقدم أبو بكر من مسكنه في “السنح” ودخل المسجد ولم يكلم أحداً، فدخل على ابنته عائشة فتيمم رسول الله وهو مغطَّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم خرج على الناس وقال مقولته الشهيرة “من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت”، وفي يوم الغد غُسل الرسول وكُفن ودفن حيث قبضت روحه عليه الصلاة والسلام.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧٤) صفحة (٩) بتاريخ (٠٤-٠٧-٢٠١٦)