تظل قرية البيضاء أنموذجا رائعا يُحتذى به في قدرة الإنسان السعودي على تحمل المسؤولية في تنمية وتطوير المكان، متى توفرت العزيمة القوية، والتوجه الصادق، والتخطيط السليم، ولمّا كان الإنسان قادراً على المساهمة الفعلية في البناء، فإن تهيئة الفرصة له ليمارس ذلك هو لب الحكمة، ولنأخذ تلك القرية الصغيرة البيضاء التي تتبع منطقة مكة المكرمة كشاهد ملموس، ومثال حي، نلحظ بأن استثمار قدرات الإنسان وطاقاته ليس بصعب أو مستحيل، فالإنسان بطبيعته يحب التعاون والعمل والإنجاز، لأن الله سبحانه وتعالى استخلفه في الأرض ليعمرها ويصونها، فقط يحتاج إلى التحفيز والتعزيز والدعم، عندها بمقدوره الإبداع، ومما سرّني مشاهدة مقطع يصوّر الجهد الذي بذله أهالي قرية البيضاء حيث تضافرت جهودهم وتناغمت أفكارهم وبنوا منازلهم ومزارعهم بأنفسهم، وفي طريقهم لبناء سد لخزن ماء المطر، وستتوالد الأفكار في مقبل الأيام، مع الاستفادة من الخبراء المختصين في التخطيط والهندسة والمعمار، فضلا عن خضوعهم للتدريب في كيفية تنمية المكان الذي يعيشون فيه، ولا يختلف اثنان في كون القيادة أحد أبرز عوامل نجاح أي فكرة أو مشروع لذلك يستحق الأمير خالد الفيصل – أمير منطقة مكة المكرمة- الإشادة حيث إنه وقف مؤازرا متابعا محفزا حتى نجحت وأصبحت واقعا ملموسا.
ورغم قيمة وأهمية مثل هذه الأعمال الجماعية لبناء حضاري يليق بالوطن، إلا أننا نلحظ أن هذا التوجه يكاد أن يكون مفقوداً عدا بعض المبادرات المضيئة، التي تُحسب لداعميها، والمشاركين في إنجاحها، وفكرة مساهمة الإنسان في بناء المكان الذي يعيش فيه ليست جديدة ويمكن الاستدلال بمئات القرى التي تتناثر فوق ثرى وطننا الغالي ومن بينها سفوح جبال السراة، حيث يتم اختيار الموقع المناسب – كخطوة أولى – بعيدا عن مجار الأودية، بعدها يقوم الأهالي ببناء منازلهم باستخدام خامات البيئة من أحجار وأخشاب وأعشاب وطين، والاهتمام بسماكة المدماك وقاية من البرد القارس وأشعة الشمس اللافحة، ويُراعى مواضع الطرق والساحات وإطلالات النوافذ، والدقة في اختيار مكان المسجد ليسهل وصول المصلين، وموضع الحصن كحماية لهم من الاعتداءات التي كانت تحدث في سابق الأزمان.
وبما أن فكرة مشروع قرية «البيضاء» ناجحة بكل المقاييس فإن تأسيس جمعيات في كل قرية أو حي تُعنى «ببناء الإنسان وتنمية المكان» لهي ضرورة تحتمها الظروف المعيشية ولتعزيز معنى العمل الجماعي لتتحقق الأهداف في زمن قصير وبتكلفة أقل، وهذه الجمعية تُؤطر من قبل المختصين بأهداف محددة ونظام يخدم الجميع، وحتى يكون الإنسان شريكا فعلياً في البناء من خلال المساهمة المادية أو البدنية، مع الاستفادة من إعانة الجمعيات الخيرية، والمتبرعين، وتتواصل هذه الجمعيات مع الأمانات والبلديات والمجالس البلدية، والأهالي هم الأدرى والأعرف بمكان معيشتهم، وسيبادرون في التضحية من أجل بناء حضاري، وللدولة دورها المهم في إكمال الاحتياجات من مدارس ومراكز صحية وأمنية وخدمات طرق وملاعب وغيرها من خدمات.
ومضة: لا شيء أجمل إلى روح الإنسان وأرسخ في ذاكرته من تلك الأمكنة التي شهدت طفولته المبكرة، ولربما نتساءل ما السبب في تلك الألفة؟ هل الارتباط بالمكان الجغرافي وحده فقط؟ أم لكل مكونات المكان من ناس وأحداث وذكريات ومورثات؟ وهناك تلازم وتناغم بين الإنسان والمكان، علما بأن المكان يكتسب هويته من ثقافة ساكنيه، قبل أن يكتسبها من تكوينه الطبوغرافي، هنا يتوجب المحافظة على المكان بما فيه من مضامين تراثية واجتماعية وجغرافية، مع ضرورة التطوير بما يتناغم وروح العصر والاستفادة من كل جديد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧٤) صفحة (٩) بتاريخ (٠٤-٠٧-٢٠١٦)