هيثم آل ريس

هيثم آل ريس

هيثم آل ريس

أسدلُ قلبي علني أصل إلى وطني، أُسدل يدي، وأسمعُ صوتاً لغابات القمح تهطل منها، يدي سنابل، يدي ربيع بدايته نَفسي.
أسدلُ يدي المثقلة، وأرى في سدلي روح السنابل الشامخة بانكفائها على الذاتِ.
أَمد يدي وتمتد إلى عمقِ الأرض، هكذا ينبع صوت العالم في فؤادي، وذا ما ينبتني كأشجارٍ مُعمرة في بقعٍ من الذاكرات، أمتد ويمتد جذري لقلبي العميق، لقلبِ قلبي البعيد، يدي قلب، قلبي يد تكتبُ.
ذابَ ما أردتُ.. لستُ أدري أمن بقعةِ الضوء التي تنمو في صدري؟، أمن هذا السكون؟، أسكنُ إلى جسدي؛ وأنسى حُزني.
ليسَ لي لغة غير هذا الفصل الذي يرحلُ ويأتي متى شاء؛ مرّةً مُعشباً ومرات يتساقط كالذكريات التي أردتُ بترها عني، وبترتُ منها.
جسدي نهر من كلمٍ يدوي فيّ، أسمعه في السماء، وتحكي لي عنهُ البسيطة، لا أدري أينا الذي بدأ بالدورانِ على الآخر، هي الفصلُ وأنا حزن الفصولِ.
أينا كتبَ كلمة الحُب بداية لـ «قصة» لا تنتهي، تدورُ في كل خفاقٍ أَحب؟
أطفئ الأضواء؛ لأعي الضوء المُنبجِس مني، أسير على هديهِ، وأصلُ لي؛ العابر؛ المتأمل في تفاصيلهِ عن «العالم» وعنه في الوجوه التي سكنتهُ، وصارَ يلوح على خواطرها.
أُسدل يدي، ويسدلُ الدم، أنادي باسمي، وأدعو؛ هذا الدمُ طريق، هذا الدم ملحمة، وقصيدة خالدة، قصيدة يعجز عنها كل شاعر.
أسدلُ قلبي؛ ليمس كل ورد الياسمين، ليصير عطر كل زهرةٍ، ليصير ذاكرة لكل واحة تقتبس من الجنة بعضاً منها.
أسدل يدي، وتسدلُ نفسي، لم أعد أعرف إلا هذا الصمت الذي ينطقُ بي كتابة لا تنقضي حينَ أنفكُ عنها.
أسدلُ يدي، وأتجمعُ بثقلي بين أصابعي التي اعتادت كتابتي، ليسَ لي إلا السدل، أنا مسدول بين ما كتبتُ، وذا يُصعدني برجاً مشيداً مني؛ هذه ذاكرة، هذه وجوه، هذه رماح، وتلك أدوية، أيني من الشاخص على عرشهِ يتألم في صمتهِ ويتفجرُ منه الكلام؛ يفهمُ الحب مما سُكن من الآلام، ويستوحشُ أن يعيشَ هذا الحال كائن غيره.
أرخي يدي، يظلمُ المكان إلا خيطُ نورٍ يذكرني الكتابة، لأقتلعَ رأس الخوفِ من هذه العتمة؛ أكونُ سفاكاً لأبدأ مُتكلماً حيثُ لم أبدأ بالكلامِ بعدُ.
أرخي قلبي؛ هذه الذكرياتُ التي عرفت، تغيبُ لأتهيأ لفرحةٍ لا حد لها، وأعودُ الطفل الذي ينتظر العيد كل عامٍ، وهو بالرغم من ذلك يعيش كل أيامه كأعياد، كأسبابِ سعادةٍ يصدرها لكل العالم.
العيدُ طفل يكشفُ عن كل «الأطفال» في الكوامن؛ الكل عائد إلى بدايته في يومٍ ما.. وأولى تلك الأيام هو العيد.
أفتشُ في صدري عن الطفلِ الذي كنتهُ، وأرى طلعته كفجرٍ يضيءُ أعضائي.
أسدلُ يدي، لتنمو بي ذاكرة للسدلِ، لي بصورةٍ أخرى.
أن أكون صورة أخرى، ذا يعني أني مترامي الأطراف، تشرقُ الشمس على بعضي اليوم، وتغيبُ عن بعضي، وأعرفُ كيف أجمعُ بينَ الفصول، كيفَ أُعبأ بصمتٍ يعرفهُ الجميع ومع ذا أتكلمُ.
أسدلُ قلبي، لينبض كل مسدول إليه، وتتفجرُ حياة من السدل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧٥) صفحة (٨) بتاريخ (٠٥-٠٧-٢٠١٦)