للعيد طيفه الذي يجيء مع أحلام الصغار بالهدايا والعيديات، يجيء في هذا العام مسافرا عبر ابتساماتنا الباهتة التى تمر كرمح السؤال المعلق بين سطور الحكايات لأناس لم يحالفهم الحظ لحضور مراسم العيد وغابوا عن مواعيده؛ فظلت أسرهم بلا أعياد ولا عناوين بعد أن سرقت من القلوب الفرحة لأناس افترقوا بالموت الذي خطف بهجتهم وأورثهم غصاته وأوجاعه؛ ليستيقظوا على صباحات الفقد واليتم لا يملكون سوى الذكريات وبعض من زجاجات العطر القديمة وبقايا من هدايا ولعب أو لمن غابوا بالخصام، فلم تشفع لهم ليالي رمضان وصلوات تراويحه ودعواته لتعيد من انقطع من حبال المودة بينهم تمر الأعياد والمواسم، وكل منهم غارق في تفاصيل خلافات قديمة كلها مقنعة وكلها مهمة، وكلها لم تجد عذرها للصفح والتسامح أصدقاء وإخوة وأهل غابوا عن العيد واختاروا خرائطهم الجديدة بعيدا عن الأحباب بأسباب وبلا أسباب، ولكل منهم منطق لا يشبه منطق العيد ولا أهدافه تمر الأعياد، وهم متلبسون بالغياب، قلوبهم نامت مع ذرات الرمال، وسارت مع سراب الصحاري.
يجيء العيد على عالمنا الإسلامي وحجم التغيير يتجاوز ذاكرتنا العربية وجسورنا وبحارنا الممتدة تجاوز حكايات من غابوا عن عناوين منازلهم وبلادهم، وجاء العيد ليزورهم وهو لا يصدق أنهم يقضونه على عتبات المدن لاجئين متناثرين كحقول من صخور تساقطت من أعالي الجبال تدحرجوا إلى أودية سحيقة، وعلى الرغم من ذلك ينتظرون استعادة لحظة حياة غابت في عيونهم وأخذتهم إلى التشرد وإلى عوالم مجهولة فقدوا فيها أبناءهم وأحباءهم وبيوتهم في مشاوير القدر، ولا يزالون ينتظرون معاني الحياة، ولم تظل على شفاههم غير ابتسامات باهتة تمر خلسة ثم تغيب خلف موجات الذكريات المستعصية.
هذا العيد هو الحقيقة، وهو الطائر الحر الطليق الذي تجاوز التعب وفقد ذاكرة الألم واختار أن يرش على قلوبنا في صباحه معاني الأمل، على الرغم من ويلات التشرد والعناء، على الرغم من دماء الأطفال المسفوحة على تراب العراق وسوريا وفلسطين وعلى ثرانا العربي، على الرغم من الانفجارات التي تستيقظ كل يوم لتعد خسائرها وقتلاها وهي تربط على ما تبقى من وجع.
هذا العيد هو الحقيقة الحرة التي لم تتوقف عن الفرح، على الرغم من شريط الألم الذي يمر على البال وأنت تجلس منفردا في صالة منزلك بعد أن تغيب مع السقف وصور الجدران ومتاهات نشرات الأخبار، وأنت تفكر في تلك الأيادي الخفية التي تعبث في الظلام وتتلاعب بمصائر الشعوب وتتآمر حتى لا يطل علينا الصباح ونضيع في ليالٍ من العتمة ونحن نغمض أعيننا كي لا نرى ولا نسمع ولا نعرف مزيداً من الحقائق المؤلمة.. هذا العيد هو الصادق الوحيد الذي يقول كلمته ويعلمنا درسه العنيد عن الأمل والفرح الذي لابد أن يأتي من جديد.. ذات عيد.
تقول الكاتبة أحلام مستغانمي
(الأعياد دوارة.. عيد لك وعيد عليك.. إن الذين يحتفلون اليوم بالحب قد يأتي العيد القادم وقد افترقوا.. والذين يبكون اليوم لوعة وحدتهم قد يكونون أطفال الحب المدللين في الأعياد القادمة).

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٧٨) صفحة (١١) بتاريخ (٠٨-٠٧-٢٠١٦)