* أولادنا بحاجة ماسة إلى أن يتقنوا مفهوم الحوار وفوائده، كذلك هم بحاجة إلى ترسيخ هذا المفهوم وتعزيزه من خلال المؤسسات ذات العلاقة بهم كوزارة التعليم مثلاً، أو وزارة الإعلام عبر قنواتها المتعددة ……

عادة ما يكون وقع الرسائل الإيجابية على الآخرين وقعاً مؤثراً في مسيرتهم الحياتية، والتغذية الذهنية بشكل إيجابي أمر لا بد منه، وليكن ذلك بالحوار والأسلوب الجميل الراقي الذي يسرق العقول والألباب.
الحوار كقيمة عالية نغفل عنه فترات كثيرة بحجة أن ذلك لا يجدي ولا ينفع، وهذا التصور الخاطئ من بعضهم يجعل وسيلة الاتصال بينه وبين أبنائه والآخرين شبه مفقودة أو معدومة تماماً، هذه المفردة الجميلة «الحوار» آن الأوان لأن نعززها بيننا في منازلنا، ومع أصدقائنا، وزملائنا في العمل، ومن نتقابل معه في أي مكان، لأن تعامل الجميع بالحوار بما يلغي الحدة الشديدة التي يتعامل بها بعضهم أثناء حديثهم مع الآخرين، فسلامة اللسان وصفاؤه لا يأتي إلا من خلال التعامل بالحوار الراقي الجميل.
أولادنا بحاجة ماسة إلى أن يتقنوا مفهوم الحوار وفوائده، كذلك هم بحاجة إلى ترسيخ هذا المفهوم وتعزيزه من خلال المؤسسات ذات العلاقة بهم كوزارة التعليم مثلاً، أو وزارة الإعلام عبر قنواتها المتعددة، أو مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني الذي يحمل شعلة نشر ثقافة الحوار بين أفراد المجتمع، فعليه مهمة كبيرة في هذا الجانب بأن يعزز شراكته المجتمعية مع أغلب الجهات لغرس مفاهيم الحوار الجميلة في عقول النشء، لأن اليد الواحدة لا تستطيع أن تنتج إلا بمساعدة الجهات الأخرى وفسح المجال للمركز للوصول إلى هذه الشرائح المتنوعة عمرياً وعمل جهد جماعي من خلال تكثيف ورش العمل واستقطاب المدربين المحترفين لينفذوا هذه المهمة على أكمل وجه.
المشكلات التي تحدث من أولادنا ربما السبب الأكبر فيها «نحن» لأننا تركنا لهم الحبل على الغارب ولم نقترب منهم ونتحدث معهم بشكل ودي ونغوص في أعماقهم وتفكيرهم حتى نكتشف ما بداخلهم، لأن الابن يحتاج من يتحدث معه ويبادله الكلام فيما يهوى هو ويحب، لأن التقرب من الابن يجعله في مأمن ويقطع على المفسدين الطريق باختطافه وتوجيهه التوجيه الخاطئ، نحن دائماً لا نستبق وقوع الأحداث ولكن إذا وقعت انصدمنا بها وتعجبنا، وبدأنا نلوم أنفسنا وتقصيرنا على أبنائنا.
النشء اليوم هم عالم التقنية الحديثة وهم يتسارعون إلى التسجيل في كل جديد، وهم الذين يسبقوننا إلى هذا العالم الجديد والخطير، فلذلك يجب أن نحذر من اختطاف فكرهم وتلويثه من قبل التكفيريين أو من قبل المتشددين الذين لا يتحدثون إلا عن الموت والنار فقط تاركين جمال الحياة وإعمارها لغيرهم.
جيلنا مسؤوليتنا جميعاً فحمايته من الانحرافات السلوكية والفكرية أمر في غاية الأهمية، ولا يأتي ذلك إلا بالمكاشفة والمصارحة معهم، وهذا الأمر لن ينجح النجاح الكبير إلا إذا تعاضد المثلث الرئيس في حماية فكرهم وهو: البيت، والمدرسة، والمسجد، فكل جهة مسؤولة مسؤولية تامة عن أبنائنا، فالبيت عليه المسؤولية الكبرى في حماية فكر أولادنا، كذلك فالمدرسة عليها دور كبير في تعزيز مفهوم الحوار بين الأولاد من خلال الممارسة والسلوك وأن يكتسب الأولاد هذه الممارسات الجميلة سلوكاً يطبقونه في حياتهم من خلال تعامل معلميهم والمسؤولين في المدرسة، كذلك الجامع عليه دور مهم بأن يخصص بعض الخطب إلى الشباب وأن توجه لهم بلغة بسيطة ومفهومة تعزز فيهم مفاهيم كثيرة.
وسوف أورد حوارا جميلا دار بين سيدنا إبراهيم عليه السلام ووالده «آزر» عندما كان إبراهيم يريده أن يترك ويبتعد عن عبادة الأصنام، فقد أورد الله تعالى هذا الحوار في سورة «مريم»، وقد استخدم إبراهيم كلمة «يا أبت» ثلاث مرات وبكل لطف وبكل أدب كان يخاطب أباه برغم الرد القاسي والجحود والنكران الذي تلقاه إبراهيم من والده إلا أنه أصر على انتقاء الكلمات الجميلة متذكراً وجوب بر الوالدين ومحاولة عدم خدش كبرياء والده، ولعله بهذه الكلمات يستطيع أن يؤثر عليه، وعندما رفض والده دعوته قال إبراهيم عليه السلام «سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً» وهذه الجملة التي فيها سلام وفيه أمنية سوف يطلبها من الله لوالده هي التي قفل بها إبراهيم حواره مع والده، وتتجلى هنا القيمة العالية لاحترام الابن لوالده حتى وإن كان مشركاً، ولم يغضب إبراهيم أو يصرخ في وجه أبيه أو تجهم عليه، وهذه القيم العليا هي التي نحتاجها في تعاملنا مع والدينا ومع الآخرين.
ختاماً تعزيز وترسيخ مفهوم الحوار في المجتمع أمر بات ضرورياً ونتمنى أن يكون ذلك متماشياً مع رؤيتنا الجديدة التي سوف تقودنا إلى العالم المتقدم، وسوف يساعد ذلك أيضاً في القضاء على الطائفية والعنصرية البغيضة، ويزيد من احترامنا لبعضنا مهما اختلفنا في الفكر أو المذهب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨١) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠٧-٢٠١٦)