حلّت بالبلاد أحداث إرهابية خلال شهر رمضان المبارك في المدينة المنورة والرياض وجدة والقطيف؛ ورغم المصاب الجلل من قتل وغدر للنفوس البريئة، ومن سفك لدماء الشرفاء من رجال الأمن البواسل؛ إلاّ أنها صنعت نسيجاً من التمازج الروحي والوطني، جمع أبناء البلاد على إدانة واستنكار تلك الجرائم البشعة، فكانت حالة انسجام وتعايش تسببت بها تلك الأحداث الدامية، وهي حالة من الشعور الإنساني الطبيعي التي مر بها المجتمع السعودي، وهي حالة رغبة فطرية للسلم والأمن الاجتماعي تسعى إليها النفس السوية.
الناس تتطلع للعيش السلمي والآمن دون استثناء، وقد أدرك الجميع في المجتمع السعودي بأن المصير واحد والمصاب واحد، ففي تلك الحوادث؛ اجتمع المواطنون والمسؤولون ليعلنوا رفض الإرهاب، ودفع المفسدين من المحرضين له والداعمين له والمؤيدين له، ومقاومة أفكاره ومقاومة أتباعه.
ومن المؤسف هو بقاء بعض الأصوات النشاز التي تعزف على وتر العنصرية والطائفية، وعلى التكفير والتبديع والتفسيق لكل من يخالفهم، أصوات تسعى لزعزعة الأمن الاجتماعي فلابد لها من إلجام، فهي لا تقل خطراً عن العمليات الإرهابية العسكرية، وقد تكون تلك الأصوات هي المحرك التنظيري والتشريعي لها، ويبقى للجهات الأمنية دور مهم ومواز لدورهم الميداني مع المتمادين في وسائل التواصل الاجتماعي الذين يعيثون فساداً بدين وحياة الناس، فذلك من الأدوار المهمة التي تتحملها الجهات الأمنية مع الجهات الأخرى ذات العلاقة من إعلام وتعليم ومؤسسات ثقافية وشرعية.
وفي مقبل الأيام؛ لدينا أمل في أنها ستحمل الخير العميم، وبدماء الشهداء الأطهار ستروى شجرة الأمن والأمان، وبرؤية المسؤولين وقراراتهم سيتحقق الكثير والكثير، وبجهود الصادقين والحكماء ستسير البلاد لبر السلام، إن تحقيق التعايش كواقع أصبح ضرورة وطنية ومطلبا إنسانيا وليس مجرد ترف، وإدراك أن الاختلاف سنّة ربّانية هو قانون كوني، فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، وخيار التعايش هو خيار الأقوياء. يقول الإعلامي الأمريكي برنارد ملزر: (إذا تعلمت كيف تختلف دون أن تصبح مقيتا فقد اكتشفت أسرار التعايش)، وحتماً فإني أجزم بأن التعايش قيمة إنسانية لها دور كبير وأساسي في تحقيق أمن الوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨١) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠٧-٢٠١٦)