لم يدر بخلد رداد أن يكون العيد باهتا، فاقدا بهجته، وأن لذة طعم كسرة خبز الحنطة مع السمن و(الحقينة) اللبن، سيفتقدها في يوم من الأيام، وأن البشرى الطافحة على وجوه أهالي قريته ستختفي، وأن رائحة القهوة «مهيلة» ستختفي، وأن.. وأن؛ لذا ظل ليلة العيد مهموماً حزيناً؛ حيث لا يمكن رؤية خبز الحنطة وتذوق طعمه، ورؤية تلك الوجوه الهاشة الباشة التي تجوب طرقات وساحات القرية معيدين مهنئين مباركين ناشرين أقحوان السعادة وسنابل الفرح ورياحين البهجة. كان همه كيف يبقى وحيداً قاعداً في مكانه المعهود على ربوة عالية تشرف على بيوت القرية، يحس بألم لما آل إليه العيد، المنازل مسيجة بالجدران المنيعة، والأبواب مقفلة، وساعات الصباح مسكونة بالنوم، والساحات خالية عدا حفيف الرياح، أصدقاؤه منهم من فارق الحياة وآخرون انتقلوا إلى مدن المملكة منذ سنوات، وغيرهم أسير جدران أربعة لضعف أجسادهم وقلة حيلتهم في المشي، أخذ رداد يندب حظه لسوء ممارسة البعض بمحاولتهم إجهاض فرحة العيد، تنطعا في الرأي، وتشددا في القول، وسوءاً للفهم؛ لأنهم بائسون، متشائمون، ينظرون للحياة بمنظار قاتم، ونسي مثل هؤلاء أن العيد هو عيد فرحة وتسامح، عيد محبة وتواصل، العيد استثمار لتوليد الجمال والسعادة، العيد استنطاق لكوامن البهجة، العيد اقتراب من الإله، شكراً وحمداً وثناءً وتهليلاً وتكبيراً، العيد اجتثاث لمخالب الشر والحسد وخلع لأنياب الغيبة والنميمة؛ كي يزهر الحب ويغدو كشلال صافٍ عذب فرات، وباقة ورد تخضب الأجواء بعطر ماتع، راح الجد رداد يتذكر أيامه الخوالي، أيام البساطة، أيام الطيبين، كيف يفتتحون بكارة يوم عيدهم بالاستماع لخطبتي العيد وأداء الصلاة في مصلاهم الذي يستقبل وصولهم قبل أن تخرج الشمس من عباءة الليل، وما إن ينتهي الإمام والمصلون من أداء الصلاة حتى يتبادلوا التهاني والتبريكات بكلمات بسيطة وعفوية خارجة من غرف قلوبهم، الجميع متساوون ليس هناك فوارق بينهم، منازلهم متشابهة الأشكال والأحجام، ملابسهم كأنها قدت من قطعة قماش واحدة، أطعمتهم متساوية (خبز وتمر وسمن ولبن) وإن زاد فقليل من اللباب والزبيب، يزاورون بعضهم بيتاً.. بيتاً، وقلوبهم تخلو من الشوائب والأدران، وحين يجيء العصر تتحول قراهم إلى كرنفالات من البهجة الحقيقية، تنظيم وإقامة الرقصات الشعبية مثل العرضة والمسحباني واللعب في باحات الأسواق، يتبارى الشعراء الشعبيون في قول بليغ الكلام وجميل الحكمة لتستمر العرضة ساعات يشارك الجميع كبارا وصغارا، هذه الاحتفالية كما يقول الجد رداد لم يعد لها أثر، سوى ما يحتفظ به البعض في الذاكرة كأجمل الأشياء التي مرت، متمنياً أن يحدث التوازن الحقيقي في الحياة، وأن تستمر فرحة العيد كما كانت، وأن يبتعد السوداويون عن طريقهم، وأن يشترك الجميع في صناعة الفرح، فالعيد مقياس دقيق ليراجع الناس ممارساتهم اليومية، وطريقة تعاملاتهم، وأسلوب تفكيرهم، ومنهجهم في الحياة، في العيد يستشعر المسلمون سماحة دينهم ومرونته وإنسانيته.
في العيد يتناسى الأهالي خلافاتهم الشخصية، والسعي إلى الصلح والعفو والتآلف ولم الشمل، والالتفات إلى الفقراء والمساكين بسد حاجاتهم والإحسان إليهم دون منة أو أذى.
في العيد ينبغي إعطاء الأطفال حقهم كاملا غير منقوص من الاهتمام والمشاركة في الفرحة، وتهيئة فرص البهجة..
الجد رداد يتساءل: من غيّر فهم بعض الناس للمعنى الحقيقي للعيد؟ وهل مثل هؤلاء يراجعون أنفسهم ويعيدون حساباتهم كي تستمر الحياة جميلة كما ينبغي؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨١) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠٧-٢٠١٦)