علياء الموسوي

علياء الموسوي

علياء الموسوي

«إن الفلسفة ترتبط بماهية الإنسان التي تجعله يرغب بطبيعته في المعرفة» كما قال أرسطو، وتناقش فيها العلماء من الغرب والشرق، تاركيننا نغرق في حيرة من أمرنا، لتزدحم بيننا الأحاديث حول مواضيع شتى في مجالات مختلفة، سواء أكانت عارضة أو مهمة، وكعادتنا كبشر يبلغ الكلام فينا إلى حد الحماس ثم يجرفنا إلى التعصب، لرأينا على أنه الصحيح دوما، خصوصا إذا تضاربت الآراء في مسألة حياتية، عندها نصل إلى نقطة فاصلة تتمثل في الرجوع لكتاب ذي منفعة أو شخص حكيم ذي فلسفة كما نقول من وجهة نظرنا كأفراد، حتى يضع النقاط على الحروف ويكون الفيصل بين الصواب والخطأ في القضية التي طرحت، لكن كيف لنا أن نربط الفلسفة بالحكمة؟ وهل هناك علاقة حتمية بينهما كما نسمع دائما؟
تعرف الفلسفة التي يرجع أصلها إلى مصطلح يوناني مشتق من كلمتين فيلو وسوفيا التي تعني محبة الحكمة، بينما يرى ابن سينا في تعريفها بأنها «هي استكمال النفس البشرية لمعرفة حقائق الموجودات على قدر الطاقة البشرية التي تقسم إلى حكمتين نظرية وعملية» التي تجيب على التساؤلات العميقة من وجهة نظر عديد من العلماء الذين لم يجدوا إلى اليوم تعريفا محددا لها في عدة مدارس غربية وعربية، إذ إنها تندرج من تحتها عديد من المواضيع العملية والنظرية كما أشار التعريف وضمنها الحكمة.
طرح هيجل تعريف الحكمة بشكل خاص على أنها «هي أعلى المراتب التي يمكن أن يتوصل إليها، فبعد أن تكتمل المعرفة ويصل التاريخ إلى قمته تحصل الحكمة، وبالتالي فالحكيم أعلى شأناً من الفيلسوف، والحكمة هي المرحلة التالية والأخيرة بعد الفلسفة، إنها ذروة الذرى وغاية الغايات»، كما تناول ديكارت مفهوم الحكمة «إنها ليست الاتصاف بالحيطة أو الأخذ في الأمور بالحزم فقط، وإنما المقصود بها المعرفة الكاملة بجميع ما يمكن أن يعرف لتدبير الحياة، وحفظ الصحة واختراع الصناعات، ومعنى ذلك كله أن الحكمة علم وعمل، فإذا كان الإنسان عالما غير عامل بما يوجبه عمله أو كان عاملا غير عالم بمبادئ علمه، لم يكن حكيما».
ويشير ابن سينا إلى أن الحكمة تنقسم إلى قسم نظري مجرد وقسم عملي، أما غاية القسم النظري، فهي الحصول على الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان، ويكون المقصود منها حصول رأي فقط، مثل علم الهيئة بينما القسم العلمي يقصد منه حصول رأي لأجل عمل مثل علم الأخلاق، فغاية النظري هي الحق، وغاية العملي هي الخير.
كما اهتم الفلاسفة بدراسة موضوع الحكمة وعلاقته بالفلسفة التي اعتبرها أفلاطون إحدى الفضائل الأربعة«الحكمة،العدالة،الشجاعة،الاعتدال»، بالإضافة إلى أرسطو الذي وصفها أنها رأس العلوم والأدب والفن وهي تلقيح الأفهام ونتاج للأذهان.
ويعتبر العلماء أيضا أن للحكمة علاقة بالسعادة أو العكس صحيح، حيث تناولتها الفلسفة اليونانية القديمة، إذ إن السعادة الحقيقية عند أفلاطون لا تتحقق إلاَّ لأولئك الفلاسفة المتأملين الذين تحرروا من كل ما هو أرضي وجسدي؛ ليعيشوا وفقاً لما هو حقيقي وإلهي، فالحكمة على وجه العموم عند أفلاطون هي رأس الفضائل سواءً كانت الحكمة النظرية الفلسفية، أو تلك الحكمة التي يتمتع بها الإنسان الفاضل في الحياة الاجتماعية والسياسية وينجح من خلالها في إقامة التوازن بين مطالب قوى نفسه المتصارعة داخل جسده الفاني، فيمارس الشهوة باعتدال ويمارس الغضب باعتدال. وما ذلك إلاَّ لأنَّ نفسه العاقلة تتحلى بالحكمة، وبالحكمة يقدر المرء ماذا يشتهي ومتى ذلك وإلى أي حد، وكذلك يقدر لماذا يغضب وإلى أي مدى!
إلى ذلك، فإننا نصل إلى نتيجة قاطعة وهي أن السعادة لا تنفصل عن الحكمة التي لا تنفك بدورها عن الفلسفة، بل تنشأ منها حيث إن الإيمان بضرورة الحكمة في هذا العصر يأتي بعد فهم أهمية الفلسفة ودورها المجتمعي في تأصيل وتطوير العلوم الأخرى المنبثقة منها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨٣) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-٠٧-٢٠١٦)