عزة آل محمود

عندما قرأت، لأول مرة، بيت الشعر هذا «الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيب الأعراق»، لم أفهمه آنذاك إما لصغر سني أو لعمق المعاني في البيت، فقررت أن أفهم تفاصيله من الشاعر ذاته فسألت عن أحمد شوقي، فقالوا غادر الحياة بعد أن ترك أجمل الشعر، وهذا البيت بالذات أرى أنه يزن عقول العقلاء مجتمعة، فقررت أن أسأل هنا وهناك لعلي أجد معنى يقنعني، ولكن عبثا أحاول؛ لأن الإجابات تأتي ناقصة إما لجهل بالمعنى وإما لفهم خاطئ وإما لنقص التجربة في الحياة، فما كان مني إلا أن ناديت بيت الشعر هذا بصوت خفي، حتى لا يسمعني أحد، فيشكك في فهمي للأمور، فقلت له حدثني وفصل لي، كيف تكون الأم مدرسة؟ وهل لها مواصفات وشروط؟ وهل هذه المدرسة شيدت وفق مقاييس معينة؟ ومن ثم كيف يكون إعداد هذه الأم، هل هو إعداد ديني أم علمي أم فكري أم صحي وجسدي أم اجتماعي أم كلها مجتمعة؟ وهل الإعداد يختلف من جيل لآخر؟ وهل تعتقد أن الأمهات اليوم أو بعد حين، هي مدرسة حديثة بحداثة عصرها؟ هل هي مدرسة لها رؤية واضحة ورسالة في الحياة؟.
وهل لها أهداف تريد تحقيقها، وكيف هي استراتيجياتها في إعداد الأبناء الذين سيصبحون شعوبا وقبائل بمرور السنين، وهل ستكون تلك الشعوب طيبة الأعراق، أم عكس ذلك، أم بين البينين؟ فرد علي ذلك البيت وقال لي رويدك.. رويدك، أعلم حماسك واندفاعك لاستظهار ما لم يظهر لك ولكن.. بعدها أطرق برأسه قليلا، وقال كلمة تسطر بماء الذهب، قال لي ستجدين سؤُلك في طيات السنين وستخبرك الأيام بما لم يخبرك به أحد، فرحت أني سأجد ضالتي ولكن حزنت أن الأمد طويل، وودعته وقلت له سأخبرك يوما بما ستخبرني به الحياة، وبعد مرور سنوات بدأت أنظر لنفسي ومن حولي والمجتمع بأكمله، وأتفحص تجارب الإعداد والتربية، كيف أعددنا؟ وما هي أهدافنا في التربية؟ وما هي استراتيجياتنا؟ فوالله من كانت أولوياتها في التربية، (العبادات أولا)، كان لها ذلك، ومن كانت استراتيجيتها تعمل لتحقيق (الخلق أولا)، كان لها ذلك، ونقيس عليها بقية الأهداف والاستراتيجيات التربوية، ومن الطريف أن بعض الأمهات هدفها المهم في تربيتها أبناءها (خذ حقك) ومن المصائب أن هناك أمهات (ليس لديهن أية أهداف أو استراتيجيات) فكان لها ذلك ولأبنائها الفوضى والضياع، حتى وإن لم تكن فوضى مادية فتكون فوضى معنوية بالدرجة الأولى.
وأخيرا.. المدرسة كمنظمة نعلم أنها تحدث عملياتها وأدواتها واستراتيجياتها وإجراءاتها، وعلى الأم التي هي المدرسة الحقيقية كما وصفها شوقي أن تُحدث من نفسها ومن استراتيجياتها وتعيد ترتيب أولوياتها من أجل شعب طيب الأعراق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨٣) صفحة (١٠) بتاريخ (١٣-٠٧-٢٠١٦)