للدخول في دائرة تحمل المسؤولية وتبعاتها يمكن أن يكون أقصر الطرق للنجاح عندما تتسرب هذه الأعباء إلى كتفيك شيئا فشيئا، ويتعاظم حجمها لتصبح جزءاً من تركيبة التوازن النفسي والاجتماعي، ومن السمات الشخصية التي يمكن أن تختل بمجرد إسقاط هذه المسؤولية التي اعتاد على تحملها كثير من الناس في سن صغيرة، لكنها لم تكن سببا في تقاعسهم واختلال شخصياتهم، وإنما كانت أولى سبل تحقيق الذات والشعور بأهمية دورها في المجتمع كنوع من بناء الشخصية في أولى لبناتها، ولقد قرأنا في تاريخنا العربي لعديد من الشخصيات التي تربت على تحمل أعباء الحياة، وخلقت من العدم مستقبلا زاهرا استظلت به أسرهم وأجيالهم القادمة.. فكم من المشاهير الذين خرجوا من تحت خط الفقر وبدأوا حياتهم من الصفر في مسيرة طويلة حققوا من خلالها مستقبلهم، وقدموا هذه التجارب لمجتمعهم بقوة إدراكهم بأهمية الحصول على هذه التركيبة السحرية التي يمكن أن تحقق النجاح وتزرع الثقة في النفس، وهذا ما يجب أن تتطلع إليه المجتمعات، وأن تستوعبه وسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية، ومن التربية على تحمل مسؤولية جميع التصرفات الصادرة عن الإنسان، وإيجاد قانون المحاسبة الذاتية على التفريط وعواقبه التي تنعكس عند التخلي عنها وتركها للغير. هذا الجيل الجديد يحتاج إلى هذا الدرس المعزز للشخصية وللثقة وللتفاعل مع المجتمع، والخروج من طابع التكاسل الذي بدأت الأجيال في توارثه في حالة اتكال على الأسرة ومن ينوب عنهم في تحقيق معادلة تحمل أعباء الحياة التي يجب أن لا تكون في سن محددة، فالالتزام هو جوهر المسؤولية التي لا تفرق بين رجل أو امرأة؛ لأن النفس الإنسانية مجبولة على التحمل الذي يستدعي تدريب الذات على الانخراط في العمل وقراءة الواقع بكل جدية ووضع الخطط والمسارات المستقبلية التي تحقق الطموح لأناس فرضت عليهم الظروف العمل من أجل الحياة، وهم يختلفون عن غيرهم ممن تهيأت لهم فرص العيش الرغيد، وذلك لا يعني أن من يتحمل أعباء العمل قد لا يحصل على متعة الحياة، وإنما قد يكون في خوض تجارب العمل وتحمل المسؤوليات كثير من المنفعة والمتعة والتدريب على كافة أنماط الحياة التي يعرف عنها مبدأ التغيير وعدم الدوام على حال. يقول أفلاطون: الشخص الصالح لا يحتاج إلى القوانين لتخبره كيف يتصرف بمسؤولية، أما الشخص الفاسد فسيجد دائماً طريقة ما للالتفاف على القوانين، كما يرى الشاعر محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» وهو بذلك يؤكد على العمل والبناء واعتماد الإنسان على نفسه وبنائها بعصامية، مما يجعله أكثر هدوءا وروية وقدرة على مواجهة الأزمات وحلها عوضا عن التهرب منها والانسحاب والتخاذل عنها. هذه المسؤولية التي عرفها بيتر أوستينوف: إنها الاستعداد التام لأي شخص للنهوض بالأعباء الموكلة إليه بأقصى قدراته، وتلك التي وردت في عديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على المسؤولية الدينية والاجتماعية، وتؤكد على أهميتها كدعامة أساسية في بناء المجتمع وما أقرته الشريعة الإسلامية من مبادئ المسؤولية الشاملة في المجتمع الإسلامي، وحملت كل فرد فيه مجموعة من المسؤوليات التي تتفق وموقعه وقدراته، في الدنيا والآخرة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨٥) صفحة (٩) بتاريخ (١٥-٠٧-٢٠١٦)