مع تباشير أول يوم من عيد الفطر المبارك، بدأت قوافل المصطافين تتوافد إلى منطقة الباحة، استمتاعا بالمناخ العليل والطبيعة الآسرة التي تتميز بها منطقة الباحة، خصوصا بعد الأمطار التي حظيت بها خلال الأسابيع الماضية، وأضحت الباحة واحدة من مناطق الاصطياف المتميزة في وطننا الغالي، يمكن إعطاء ملمح موجز عن مزاياها الطبيعية والمناخية والأثرية والتراثية، فهي تتعادل جغرافيا مع مساحة دولة لبنان، بمساحة تزيد قليلا عن عشرة آلاف كيلو متر مربع، ويقطن بها ما يزيد عن نصف مليون نسمة غير السكان المهاجرين إلى مدن ومناطق المملكة، وتصنف كثاني منطقة بعد جازان، من حيث كثافة السكان، ورغم صغر مساحتها إلا أن ثمة فوارق طبيعية ومناخية ونباتية بين سراتها وتهامتها وباديتها، حيث تعتدل درجة الحرارة على سراتها صيفا، وتنخفض شتاء فيما يسود الدفء في المنخفض التهامي شتاء وتشتد الحرارة صيفا، أمّا البراح الشرقية فيكاد أن يكون مناخه معتدلا معظم فصول السنة مع ارتفاع الحرارة نسبيا في الصيف، وقد أثّر هذا التغيّر الطبوغرافي في قلة أو غزارة الأمطار مما انعكس أيضا على كثافة أو قلة الغطاء النباتي، حيث تكتسي سفوح جبالها بأنواع من أشجار العرعر والطلح والزيتون البري(العتم) دائمة الخضرة مشكلة غابات يزيد عددها عن أربعين غابة أشهرها غابتا رغدان والزرائب، أما أودية تهامة كوادي الأحسبة الشهير ووادي مليل وناوان وغيرها فتنمو في مجاريها أنواع شتى من أشجار السدر والسلم والضهيان والسمر، وفي القطاع الشرقي تكون شجرة النخيل سيدة الأشجار في العقيق وما حولها، وهذا التنوع أكسب منطقة الباحة تميزا سياحيا إذ يمكن استمرار السياحة على مدار العام بحسب الظروف المناخية، وهناك مقومات أخرى جاذبة تضاف إلى رصيدها السياحي، حيث عثر على كثير من الكتابات والرسوم والنقوش القديمة ويأتي طريق الفيل الواقع شرق العقيق كأحد أهم الشواهد التاريخية الموغلة في القدم، ومع الأسف لم يُستثمر حتى تاريخه، فضلا عن الإرث الذي تركه الإنسان مثل المباني الحجرية القديمة والمدرجات الزراعية والقلاع، ومن الشواهد الباقية عشرات القرى التراثية وتأتي قرية ذي عين كأنموذج متميز في شكل وطريقة البناء وموقعها الفريد على تلة من صخور الرخام بإطلالة بهية على غابة من أشجار الموز والكادي والليمون، فغدت القرية لوحة بديعة تشد نظر الزائرين وتحفزهم على زيارتها مرات ومرات، وإذا ما أراد الزائر الالتفات غربا فإنه يلحظ جبلين شاهقين هما جبلا شدا الأعلى والأسفل، ومما يميزهما تنوع الغطاء النباتي بهما وقد استحوذا على أعلى نسبة تنوع نباتي كما سجلته باحثة بريطانية في هذا الصدد، وتنبه أهلوها إلى مزايا جبلهم، حيث استثمر بعضهم تلك الكهوف كاستراحات معلقة فوق قمة الجبل، والقادم عبر الطريق السياحي من بالحارث وبني مالك مرورا بزهران سيكون الضباب أول المستقبلين له وكذا الغطاء الأخضر على امتداد البصر، وبعضهم يطلق على الباحة اسم حديقة الحجاز، إذ إن الأشجار تكون رفيقة درب الزائر حتى النطاق الجنوبي في بالشهم وحوالة وقذانة، ولمّا كانت الباحة بهذا المستوى الجمالي فإن أهلها يرحبون بالزائرين والسائحين ولسان حال الجميع يقول «مرحباً هيل عد السيل».
لنحافظ على المتنزه
شهد متنزه رغدان ازدحاماً شديدا قبل وأثناء افتتاح فعاليات صيف الباحة لعام 37، ورغم المحاولات المضنية من الجهات الأمنية إلا أن السيارات توقفت في مسارات الطرق المؤدية إلى المتنزه حيث ضاقت بمئات المركبات، مما تنبثق فكرة – أظن أنها مناسبة – في مثل الاحتفالات التي يحضرها الكثير من الناس، بتخصيص حافلات لنقل الراغبين في الحضور إلى مقر الحفل مع ترك مركباتهم في مساحات تخصص كمواقف للسيارات في أكناف المتنزه، وهذا حل مناسب من وجهة نظري لعدة اعتبارات أولا ليسهل الوصول في وقت مناسب، والتخفيف من الأعباء التي تقع على رجال الأمن، وفوق ذلك حماية للشجيرات العرعر من التعرض للتحطيم من جراء اضطرار بعضهم إيقاف سيارته في مواقع غير مخصصة، وحماية للأشجار من عوادم السيارات، باعتبار المتنزه رئة تبعث الأوكسجين ينبغي الحفاظ عليها، نأمل أن يأخذ هذا المقترح الاهتمام من الجهات المعنية في قادم الأيام.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨٨) صفحة (٩) بتاريخ (١٨-٠٧-٢٠١٦)