* المدرك جيدا للأحداث السياسية وتبعاتها قد لا يؤيد نجاح الانقلاب، لأن نجاحه قد يغير أشياء كثيرة في المنطقة ويؤجج علينا صراعات وتحالفات جديدة نحن في غنى عنها …..

عاش العالم قبل البارحة يراقبون المحاولة الانقلابية الفاشلة التي نفذتها بعض القيادات والضباط في جيش تركيا، للإطاحة بالشرعية المنتخبة المتمثلة في رجب طيب أردوغان مرشح حزب العدالة والتنمية من قبل أفراد المجتمع.
ولعبت شريحة كبيرة من الشعب التركي الدور الأبرز لإفشال الانقلاب العسكري، وذلك لاقتناعهم بعدم استفادة الشعب من حكم العسكر الذي يتحدث عنه الجميع بأنه حكم لا يعرف الديمقراطية ولا الشورى، إنما يعرف الحروب وإدارتها، لذا كان أغلب الشعب لا يريد حكم العسكر والرجوع إلى ما قبل عدة عقود، ومن وجهة نظري أن الشعب التركي يرفع له القبعة في نجاحه المطلق على إفشال هذا الانقلاب، لأن إرادة الشعب هي التي سيرت الحدث وغيرت مسار الانقلاب الفاشل وأجبرت قادته على عدم الاستمرار في منهجهم بعيداً عن الشرعية المتمثلة في الرئيس أردوغان، وكما هو معلوم لدى الكثير أن الشعب التركي اتجه إلى الحكم الديمقراطي من خلال صناديق الاقتراع ونسف الحكم العسكري وراء ظهره، ولم يكن لديه استعداد للعودة للوراء وأن يهدم ما تم بناؤه في العقود الماضية.
ولعلنا نتساءل في هذا الوقت.. لماذا عادت الانقلابات إلى السطح مرة أخرى؟ وكنا نعتقد أنها أصبحت جزءا من الماضي، حيث كان سابقاً لا يمر علينا بضعة أسابيع أو شهور إلا ونسمع خبر انقلاب هنا وهناك خاصة دول العالم الثالث، أما في السنوات الأخيرة فقد زاد الوعي والإدراك لدى الكثيرين بأن هذه الانقلابات تؤخر الدول وترجعها إلى مربعها الأول وتفقدها مصداقيتها مع الدول الأخرى، وتجعلها أقل أماناً وأضعف اقتصادا، وما حدث في تركيا كان شيئا مستغربا إذ يعتبر تعديا على الشرعية الحاكمة والمنتخبة من الشعب عبر صناديق الاقتراع، مما جعل الشعب التركي يرفض هذا الانقلاب شكلا ومضمونا، ويخرج في الميدان أمام الدبابات والمجنزرات يقول لا للانقلاب ونعم للشرعية، وقد خسرت تركيا المئات من أبنائها المخلصين الذين قتلوا أو جرحوا في المواجهات العسكرية لصد الانقلابيين خلال ساعات بسيطة من الانقلاب الفاشل، ووقوع الضحايا وقتل المحتجين شيء متوقع في مثل هذه الأحداث.
ولكن السؤال الأهم هو كيف عاش مجتمعنا مع الحدث؟
من خلال متابعتي لمواقع التواصل الاجتماعي لاحظت حالة الارتباك التي صاحبت الحدث، وقامت مشكورة سفارة خادم الحرمين الشريفين في تركيا بإرسال كافة أرقام التواصل على جميع مواقع التواصل الاجتماعي لمن يحتاج المساعدة في أحداث تركيا، كما أن هناك فئة أخرى كانت مع الانقلاب وذهاب الحزب الحاكم المنتخب إلى غير رجعة، ظنا منهم أن حكم العسكر قد يفيدهم أكثر من المنتخب السيد «أردوغان» وأبدوا وجهة نظرهم منذ البداية، وهناك من سلم بما حدث منذ بداية الانقلاب واعتقد أن الانقلاب نجح فتأسف على حكم أردوغان وزمنه، أما الجزء القليل من المجتمع فكانوا يتابعون ذويهم وأقاربهم ويسألون لهم العافية والسلامة.
المدرك جيدا للأحداث السياسية وتبعاتها قد لا يؤيد نجاح الانقلاب لأن نجاحه قد يغير أشياء كثيرة في المنطقة ويؤجج علينا صراعات وتحالفات جديدة نحن في غنى عنها، ولذلك بقاء حكم الشرعية المنتخبة جزء أساسي ومهم في عملية استقرار المنطقة، كذلك فشل مثل هذه الانقلابات وفشل من قدم لها العون والمساعدة فهذه صفعة كبيرة لهم بأن يتركوا الدول هي التي تقرر مصيرها عن طريق شعوبها، كذلك يدركون أن إرادة الشعب أصبحت هي الإرادة الأولى بعد إرادة الله سبحانه وتعالى.
ولعلنا نضيف أن هؤلاء الانقلابيين لم يعلموا كم من الخسارة الني خسرتها تركيا اقتصاديا وسياسيا من خلال توقف المطارات وتوقف قدوم مئات الآلالف من السياح إلى تركيا، وكذلك إلغاء الكثير من حجوزات الطيران والفنادق التي كانت مجدولة منذ فترة مما يضعف اقتصادها لهذه السنة.
تركيا بلد إسلامي له ثقله الكبير واستقراره من استقرار المنطقة كاملة، ومن وجهة نظري أن فشل الانقلاب كان لصالح المنطقة التي تعاني من حالة اضطراب بسبب الحرب السورية وهي تبحث عن حالة استقرار في الفترة المقبلة، حيث إن تركيا تمثل العمق الاستراتيجي للعالم الإسلامي فاستقرارها هو استقرار للمنطقة ككل.
ختاما أثبتت نظرية الانقلابات أنها نظرية فاشلة وغير ناجحة أمام المجتمعات المتعلمة والمتحضرة، وهذا ما ثبت لنا من خلال الحدث التركي، وأن تسليح الشعب هو بتعليمه التعليم الراقي والمفيد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨٨) صفحة (٩) بتاريخ (١٨-٠٧-٢٠١٦)