د خالد عبدالله الخميس – أكاديمي، جامعة الملك سعود

«الهياط» على القراءة الجنوبية و«الطهبلة» على القراءة النجدية، كلمتان عاميتان لمعنى واحد، وهي تعبر عن سلوك الشخص الذي يتباهى بالثراء والمجد والقوة وهو صفر اليدين، أو يمتدح في نفسه بشكل يسخر منه السامعون. ورأس المهايطين العرب هو عمرو بن كلثوم عندما بالغ في أوصاف «هياطية»، كما في قوله «ملأنا البحر حتى ضاق عنا ** وماء البحر نملأه سفينا» وهو يعلم أن أهله ما كانوا أهل بحر ولو اجتمعوا لما استطاعوا صنع أصغر سفينة. كذلك قال (إذا بلغ الفطام لنا وليدا ** تخر لها الجبابر ساجدينا) وهو يعلم أن فطيمهم يبكي سنتين مستنجداً بحليب أمه. وأوسخ هياط قاله عمرو «ونشرب إن وردنا الماء صفواً ** ويشرب غيرنا كدراً وطينا» وهذا الوصف شعور بأن المجد لا يكون إلا بمذلة الآخر فلا يحسن شرب الماء الصافي إلا إذا شرب الباقون من ماء الطين.
وفي مناهجنا الدراسية، مع الأسف، يُوصف عمرو بن كلثوم بأنه أفضل شاعر في الفخر وليس «الهياط» وإلى الآن تدرس معلقته في المدارس العربية دون استثناء ويتتلمذ على طريقة «هياطه» الشعراء النبطيون وغير النبطيين. وما نشهده اليوم من الفخر الموغل في المفتريات هو نتاج لمدرسة «الهياط» في الشعر. ولو دققتم فيما يقوله معظم الشعراء الشعبيين اليوم من مغالاة في مدح جماعته لتأكد لديكم أن مدرسة الهياط تتطور وتتسرطن.
ولا يرفض «الهياط» ويحتقره سوى أصحاب العقول الحكيمة، فتجد مثلاً أبو جعفر المنصور وكذا كان الملك فيصل بن عبدالعزيز لا يلقون وزناً للشعراء المدّاحين و«المهايطيين» باعتبار أن المدح على طريقة «الهياط» تعمل تخديراً كاذبا على النفس تقتل جذوة الهمة والنشاط.
وإن كنت ألتمس للشعراء «المهايطيين» عذراً في «هياطهم» لأجل التكسب المادي والشهرة إلا أنك لن تجد عذراً لمن يطلق عبارات هياطية ذات مغزى سياسي كمن قال «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل» في الوقت الذي هو منبطح لأمريكا وإسرائيل.
وما أجمل ما عبّر به أحد النقاد «عبدالله القصيمي» بقوله «الأمة العربية ومع الأسف الشديد ظاهرة صوتية». نعم إننا نحن العرب كثيرو الحديث لكن على «لا شيء»، وقد تلحظ أنه حين سير الاجتماعات أن الاجتماع يمد لساعات طويلة دون الخروج بشيء.
ومع هذا، فللعرب صفحات وضاءة في التاريخ فلن تجد أجمل صفحة في تاريخ العرب من اليوم الذي بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حينما نشل العرب من جهلهم وضلالهم وتمددوا في أرض الله لنشر حقائق الدين الإسلامي القائم على الرحمة والتسامح وأضاءوا العالم بنور العلم والمعرفة. نسأل الله أن يعيد للعرب مجدهم ويعوا حالهم ويشخصوا مشكلاتهم بشكل علمي دقيق بدلاً من المشي في سلوك «الهياط».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨٨) صفحة (٨) بتاريخ (١٨-٠٧-٢٠١٦)