أروى يوسف الجبر

انتشرت مؤخراً قصة في مواقع التواصل الاجتماعي عن عامل نظافة في الحرم، حيث مد صاحب الخبر مبلغاً بسيطاً من المال لهذا العامل الذي كان عاكفاً على تنظيف الساحات رأفةً بحال هذا المسكين.
إلا أن العامل لم يأخذ المبلغ، وابتسم لصاحبنا ثم أخرج من جيبه محفظته فإذا هي مملوءة ببطاقات الماستر كارد والفيزا! اندهش صاحبنا وسأله متعجباً عن حاله، فأخبره العامل أنه رجل أعمال كبير، يمتلك عدداً من الفنادق في أنحاء الهند، إلا أنه يتعاقد مع شركة لتنظيف الحرم فيقضي ستة أشهر في الحرم يخلع فيها لباس الثراء ويعيش حياة بسيطة، لا أعلم عن صحة هذه القصة إلا أنه استوقفتني المعاني التي تحملها.
فما أعجب حال الغني الذي يفضل نمط البساطة في عيشه على حياة الترف والبذخ! فمثل هذا الرجل لن تعجزه أمواله عن قضاء إجازته في منتجع شديد الغلاء بجزيرة خلابة، أو حجز جناح كامل في أرقى الفنادق بإحدى المدن المتقدمة.
إلا أنه آثر أن يقضيها كشخص بسيط يؤمِّن قوت يومه فقط! وهناك عديد من النماذج لأغنى رجال الأعمال في الغرب الذين لا يزالون يعيشون في منازلهم القديمة المتواضعة رغم ما تحمله أرصدتهم في البنك من مليارات! قد يرميهم بعضهم بتهمة البخل والشح، وأنهم إنما يعيشون هذه الحياة للمحافظة على نقودهم من التبذير! قد يكون بعضهم يفكر هذا التفكير، إلا إنني أجزمُ بأن عدداً ليس قليلاً منهم لم يلجأ إلى حياة البساطة والتواضع هذه إلا لأنه لم يجد السعادة في غيرها! فما معنى الحياة إن قضاها في الصرف والبذخ والأكل، يغدو اليوم مثل البارحة، وغداً مثل اليوم الذي سبقه، وهكذا «رتم» مقيت ممل لا يوجد فيه جديدٌ يبهجه، وقد يؤول به الحال إلى الاكتئاب. البساطة تجعل من عامل فقير يستلقي على كرسي في شارع مليء بصخب السيارات وأصوات المارة إلا أنه ينام بعمق يحسده عليه رجل ثري في فراشهِ الوثير وقد جافاه النوم لفقدانه راحة البال! وقد تجعل من فتاة فقيرة تفرح بوجبة من مطعم رخيص وتشكر الله على نعمه بينما تتسخط فتاة غنية وقد مُدت أمامها سفرة مملوءة بالأطعمة! أخيراً، كُن بسيطاً في نفسك في حياتك، تكن سعيداً مهما علا منصبك ومهما بلغت أموالك. صاحِب الفقراء، اضحك مع العُمال، تبادل حديثاً مع خدمك. ولو باغتتك على حين غفلة مشاعر الكِبر والزهو بالنفس جرب أن تعيش حياتهم ولو لمرة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٨٩) صفحة (٨) بتاريخ (١٩-٠٧-٢٠١٦)