فهد عبدالله الغانم

فهد عبدالله الغانم

الأعمال التطوعية لها مكانتها في الإسلام.. وإن أهم ما يميز العمل الخيري الإسلامي هو أنه «إنساني» ويبقى حتى قيام الساعة.
لذا فإن الرسالة الإنسانية التي تحملها مؤسسة الملك عبدالله للأعمال الإنسانية وبصبغة عالمية قد انطلقت رغبة منها وبلا مقابل نحو مزيد من العطاء والتضحية بمنهجية اجتماعية وإنسانية هي ليست وليدة الصدفة أو لظروف طارئة أو حتى لموقف إنساني عابر. عند ذكر من تحمل اسمه وهو «ملك الإنسانية والتواضع».. عبدالله بن عبدالعزيز.. فلا بد أن تكون رسالتها خالدة تطوف أرجاء العالم بقاراته الخمس تحمل اتجاهات متعددة لتلمس حاجات الإنسان والوقوف بجانبه من خلال سبعة محاور رئيسة، تشمل (التعليم والتنمية الاقتصادية والرعاية الصحية وتطوير العلوم والتقنية والإغاثة الاجتماعية وحوار الأديان ونشر السلام والأمن). كانت وستكون ظلالاً وارفة تحمل سنابلها إلى عنان السماء.
لقد قادت مسيرة الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، سادس ملوك البلاد الوطن نحو التطور والازدهار، ولقد أثرت إنسانيته الفذة في العباد، ولعبت أياديه البيضاء أدواراً متعددة، وكانت دائماً في صالح الوطن والمواطن وكذلك العالمين العربي والإسلامي، ولهذا الملك الإنسان أعمال جليلة خالدة كانت وما زالت تمثل عمق الأخوة الإسلامية والشعور النبيل من الملك الصالح نفسه. فكيف لا والحديث الشريف يقول «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». فكما كانت بلاده رائدة الأعمال الإنسانية لخدمة الإسلام والمسلمين في جميع أقطار العالم هدفاً تسعى لها دائماً، وإنصافاً للحق فهناك تقارير وإحصاءات دولية أبرزت هذه المكانة العظيمة التي تتبوأها المملكة حاضنة الحرمين الشريفين، مهد الإسلام.
لقد انخرط العون السعودي بالأعمال الإنسانية والإغاثية والتنموية منذ أمد بعيد ملكاً تلو ملك أنفق بسخاء حتى وصل إلى أكثر من 90 مليار دولار استفادت منها 88 دولة. ودأبت المملكة على مد يد العون والمساعدة للدول العربية والإسلامية والصديقة للإسهام في التخفيف من معاناتها جراء الكوارث الطبيعية أو من الحروب حتى سجلت أولوية غير مسبوقة من الاستمرار في هذه المساعدات وعدم انقطاعها مهما كلفها الثمن.
لقد كان إعلان هذه البذرة اليانعة مؤسسة الملك عبدالله بشرى خير للمجتمع داخلياً وخارجياً، فالصدقات للمحتاجين والفقراء والمساكين ومن في حالهم تؤكد جانبين مهمين فصاحب الحاجة محتاج لمن يقف معه ويحس بمعاناته، أما الجانب الآخر فهو الحفاظ على كرامته الإنسانية وصيانة ماء وجهه من المذّلة والمسألة. وبالتالي فإن إنشاء مثل هذه المؤسسات الخيرية والإنسانية يرفع من مستوى الفقراء والمحتاجين، وعبر هذه العطاءات الخيّرة التي تقدمها يمكن أن تعالج بعض المشكلات التي يعاني منها المجتمع كالفقر والبطالة وغيرها، كما أن تأمين حاجات الفقير والمحروم وصاحب الحاجة يجنّب المجتمع قضايا متعددة كالجرائم والانحرافات والفساد وتحفظ كرامته وتصون أمنه وتبني العلاقات الأخوية التي تقوي دعائم المجتمع كافة. ولذا يجب دعم مثل هذه المؤسسات الخيّرة بكل قوة حتى تقف على قدميها، وخصوصاً أنها تمثل الوجه الناصع لملك قدم لشعبه الكثير والكثير، وما زال أبناؤه البررة من بعده يجاهدون؛ لكي تصل هذه المؤسسة إلى مصاف العالمية، وتصبح بذلك مثالا يحتذى به، فبورك مسعاهم وأجزل الله لهم المثوبة.
وعندما نتعمق أكثر في هذا المجال الحيوي الذي حث عليه الإسلام، وذلك عندما قال الله تعالى آمراً نبيه (صلى الله عليه وسلم) قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ [إبراهيم:31].
كان عهد الملك الراحل منطلقاً برؤية من هذه المبادئ الإنسانية العظيمة، وأصبح لهذا المجال مكانة لائقة عبر خطط التنمية وبرامجها المتنوعة، عطفاً على تعاطف المغفور له مع الفقراء وزيارته لهم في بيوتهم، وذلك لإدخال السرور إلى قلوبهم وقلوب أبنائهم.
لقد باتت العلامات الفارقة تتوالى تاركةً بصمة عبدالله بن عبدالعزيز وراء كل عمل خيري وإنساني نبيل، ودعمها بإنسانيته المعهودة بكل ما يملك من قوة حتى أصبحت خارطته تتوزع في جميع مناطق وقرى المملكة، حتى وصل عدد الجمعيات الخيرية في عهده إلى ما يقارب الـ 650 جمعية خيرية.
مؤسسة الملك عبدالله الإنسانية تعبر عن نية وإنسانية من تحمل اسمه، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى». فقد انخرط هذا الملك الصالح في أعمال خيرية كثيرة قدمها قبل رحيله قربةً لله سبحانه وتعالى وإبراء لذمته التي كان يحرص عليها كل الحرص، وكان يسأل الله جلت قدرته أن يعينه على نفسه ويصلحها دوماً، فكان له ما أراد، وكانت إسهاماته الخيّرية شاهدة له، فبتوفيق من الله كانت خدمة المسجد الحرام والأماكن المقدسة والتوسعات العملاقة للحرمين الشريفين التي فاقت كل التصورات واعتبرت من أضخم المشاريع الإنشائية على مستوى العالم الحديث وشكلت إبداعاً هندسياً في فن العمارة الإسلامية والتصاميم المعمارية، وكانت بمجملها تحت رعاية ومتابعة شخصية منه (رحمه الله) من أجل خدمة ضيوف الرحمن والمعتمرين والزوار الذين تزداد أعدادهم عاماً بعد عام.
يقول الحديث الشريف: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». إن هذه المؤسسة صدقة جارية سوف يجني ثمارها الفقراء والمساكين وابن السبيل، أما الدعاء الذي سوف يلحق بك فهو عظيم من شعب وفي وكريم يدعو لك يا عبدالله بن عبدالعزيز، وذلك عندما طلبت منهم قبل رحيلك عن الدنيا أن لا ينسوك من دعائهم.. فأصبحت تمثل لهم والداً وليس ملكاً.
نسأل الله أن يجعل كل ما قدمته في موازين حسناتك، وأن يوسع مدخلك، وينير قبرك، ويجعله روضة من رياض الجنة، وجميع موتى المسلمين الذين شهدوا له بالوحدانية وماتوا على ذلك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٩٣) صفحة (٨) بتاريخ (٢٣-٠٧-٢٠١٦)