أمير الصالح

أمير الصالح

أضحى وجود الخادمة في البيت الخليجي شبه أساس، وعلى ضوء ذلك برزت سلوكيات وأنماط من التواكل السلبي، خاصة من حيث اعتماد أفراد الأسرة كبيرهم وصغيرهم على هذه الخادمة وفي أبسط الأمور. حتى كوب الماء لا يُجلب إلا بأيدي الخادمة للكل وفي كل وضع حتى على سرير النوم!
كما هي العادة في كل سنة تشتعل أسعار سوق إيجار الخادمات (غير الرسمي) بشكل لافت للنظر مع قرب حلول شهر رمضان المبارك. وفي نقاش جرى في إحدى مجموعات (الواتسآب) حول الجوانب السلبية للخادمات بما فيها الجوانب الاجتماعية والنفسية والأخلاقية …إلخ. طرح علينا أحد الإخوة فكرة التركيز على الجانب الاقتصادي ومحاولة حساب تكلفة خادمة فلبينية على سبيل المثال لنرى ماذا ستكون النتائج. وبعد مشاركة مجموعة من الأعضاء كانت النتيجة صادمة. وسأضعها بين أيديكم مع إضافة تعليق على بعض البنود. حيث كانت تكاليف وجود خادمة فليبينة، ولمدة سنتين وثلاثة أشهر، براتب 1500 ريال شهرياً، كالتالي: 2000 ريال رسوم التأشيرة، 18000 ريال تكلفة الاستقدام، 40500 ريال مجموع الرواتب، 1200 ريال رسوم إقامة لسنتين.
1170 ريالا غسيل ملابس، 10 ريالات لكل أسبوع، 1050 ريالا تذكرة رجوع طيران مع أجرة توصيل، 1240 ريالا وجبة فطور سعر (الوجبة 2 ريال تقريباً)، 5740 ريالا وجبة غداء سعر (الوجبة 7ريالات تقريباً)، 4100 ريال وجبة عشاء سعر (الوجبة 5 ريالات تقريباً)، 500 ريال لوازم شخصية وملابس، 820 ريالا تكلفة ماء مقابل ريال لكل يوم، 820 ريالا تكلفة كهرباء مقابل ريال لكل يوم.
وبهذا تكون التكلفة الإجمالية هي 77140 ريالا سعوديا!
هذا وقد تم استثناء بعض الأمور مثل: الإكراميات والعيديات والهدايا وهدية نهاية الخدمة وتكلفة أثاث غرفة الخادمة وكسوتها وعباءاتها وذلك لاختلاف العطاء في هذه الأمور من شخص لآخر. وبالتالي تكون إجمالي التكلفة التقديرية ما بين 90 إلى 100 ألف ريال لمدة سنتين و ثلاثة أشهر للخادمة الفلبينية، وأحياناً أكثر.
في شهر رمضان المنصرم نقل لنا بأن بورصة الإيجار الشهري للخادمة، كسرت حاجز ثمانية آلاف ريال لشهر رمضان!. شخصيا وبدراسة تحليلية (Root of Cause) و (Fish-Bone analysis) لمواطن وحقول خدمة الخادمة، يتبين أن النشاط المستهلك لنشاط الخادمة هو التنظيف، الغسيل، الترتيب، التقطيع للسلطة فقط. وأن الغسيل والتنظيف هو المستهلك الأقوى لوقت الخادمة. وعليه أدخلت حلولا على المستوى الفردي، أطرحها هنا للمشاركة والفائدة.
الحلول المقترحة على المستوى الشخصي: واجهت مشكلة الغسيل للأواني باستخدام بدائل مثل استخدام صحون مصنوعة من الألمنيوم للاستخدام الواحد والطبخ المباشر في صحون الألمنيوم المعدة لذلك واستخدام الأكواب الورقية وأكواب البلاستيك وملاعق وشوك الاستخدام الواحد، وذلك لشطب نشاط الغسيل للأواني من قائمة الأنشطة. وبالفعل هذه المقاربة، أدت لتجنب استئجار الخادمة خلال الشهر الفضيل، وإلى إعطاء زوجتي متسعا أكبر من الوقت لقراءة القرآن الكريم ومشاركة أسرتها بشكل أكبر، وتفرغها لباقي مهامها المنزلية، وأيضاً تجنب الحاجة لاستئجار خادمة بطريقة غير رسمية، قد تعرضني لمساءلة. وأقوم حالياً بصدد تقييم باقي الأنشطة لتجذير مفهوم «نعم نستطيع» (Yes we can) وهكذا في الجوانب الأخرى من الأنشطة المنزلية وحتى خارج المنزل. وهنا أرجو من خريجي وخريجات الاقتصاد المنزلي أن يبادرونا بطرح حلول اقتصادية في هذا المضمار لعلنا نبصر اليوم الذي تكون فيه البيوت مسكونة بأهلها فقط. دعني أكون أجرأ من ذلك وأقول: قارن مجموع ما يصرف على الخادمة مع مدخول بعض الموظفين!. أما النقاش في الأبعاد الاجتماعية والنفسية والأخلاقية الدينية فهذه جنبات تحتاج إلى كثير وكثير من التقييم، بناءً على خلفية الخادمة القادمة من الخارج. ولن أطيل النقاش ولكن ما يطرحه الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، أعتقد أنه يعطي صورة واضحة وكافية في تلك الأمور.
قد يقول بعضهم إن التكلفة السابقة جداً زهيدة، وقد يقول آخرون إنها توجب إيجاد حلول فاعلة. إحساسا بالمسؤولية الاجتماعية نحو أبناء المجتمع، أتدارس معكم فكرة قديمة جديدة وهي: تشجيع انخراط الأسر ذات المدخول الضعيف، المنتجة والمتعففة في خدمة المنازل. وذلك بتشجيع تكوين أعمال أسرية تغطي جوانب أعمال الخدمات المنزلية بنظام الأجور اليومية أو الأسبوعية بالعاملات الوطنيات، وبمسمى: خدمات منزلية أسرية.
وهذا الطرح سيكون مبرراً اقتصادياً لإجهاض جلب الخادمات المكلف على بعضهم والاستعانة بخدمات الأسر المنتجة والمتعففة وهذا يوطد البناء الاجتماعي والتدوير المالي. كما نهيب بالجمعيات تشجيع الأسر ذات العلاقة من حيث الحاجة لخدمات أسرية أو المعوزة لزيادة الدخل المالي لتلكم الأسر، وبإعداد بنك معلومات على نمط (Match the Need). قد يكون هذا الطرح كسرا لتابو محظور اجتماعياً في الوقت الراهن، ولكن لننظر لمجتمعات حولنا ونتعلم إيجاد الحلول من خلال الموارد المحلية. وعموماً فالمحاولة دائما أفضل من الجمود.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٩٤) صفحة (٨) بتاريخ (٢٤-٠٧-٢٠١٦)