الذي يميز سوق عكاظ هو التنامي والتطور الذي يشهده في أنشطته المتنوعة خصوصاً الأنشطة الثقافية، ففي كل نسخة جديدة يتم إضافة جديدة مما يؤكد أن القائمين على السوق يدفعون ببرامجه وأنشطته نحو الأفضل بهدف إرضاء أذواق مرتادي السوق، وقد تحقق التنافس بين الشعراء المجيدين على مستوى الوطن العربي من أجل نيل بردتَي شاعر عكاظ وشاعر شباب عكاظ، ومُنحت في الأعوام الماضية لمن يستحقها بجدارة؛ حيث إن القصيدة الجديرة هي التي تمنح قائلها الجائزة وليس العكس، والأجمل أن يقف الشاعر الحائز على الجائزة ليلقي القصيدة بنفسه لتكتمل الصورة الجمالية والبلاغية، وحين يهتم منظمو مهرجان الشعر بالقصيدة الشعرية فإن ذلك يجسر المسافة الزمنية الطويلة مع الشعراء الذين ألقوا القصيد فوق أديم السوق في العهد الجاهلي وبقيت قصائدهم محفورة في الذاكرة العربية كباقي الوشم في ظاهر اليد، وما إن يرد سوق عكاظ حتى ترد المعلقات العشر، وكأنَّ امرأ القيس يجوب سقط اللوى وحومل وقد رقّه الشوق وسالت دموعه من فرط وجده، وشدة حنينه لعشيقته، فيما يلتمع سيف عنترة بن شداد العبسي وقت وطيس المعركة كثغر عبلة، وتتهادى عوجاء «ناقة» طرفة بن العبد لتخب الرمال، فيما يطرح زهير بن أبي سلمى باقة من حِكمه البليغة، وغيرهم من الشعراء يجوبون جادة السوق وكأن ثمة أناساً يقتعدون باحة السوق استماعاً وإنصاتاً وإعجاباً، لم يكتف القائمون على السوق بهذه الخاصية بل تم توسيع برامجه ليكون للخط العربي والتصوير الضوئي والقصائد المرسومة والمسرحيات التاريخية والندوات والمحاضرات، والصناعات اليدوية نصيب كل ذلك يهدف إلى تجسير المسافة الزمانية مع الماضي الأصيل، وحتى لا تكون أنشطة السوق أسيرة الماضي، توسعت مجالاته تناغماً مع الحاضر الزاهر واستشرافاً للمستقبل المشرق فكانت مسابقة الريادة المعرفية وجائزة ريادة الأعمال والابتكار ومعرض عكاظ الذي يضم بين جنباته ابتكارات واختراعات الشباب، وحتى تكتمل الصورة الجمالية المترعة بالجمال كان لجادة سوق عكاظ المجال الأرحب والأبهى في إضفاء جو من المتعة البصرية والوجدانية لمرتادي السوق من خلال مسيرة الشعراء والفرسان والخيول والإبل والمساجلات الشعرية والعروض الفلكلورية، في مشهد لافت.
ولكون السوق يقع في رحاب محافظة الطائف عروس المصائف فلم يغب عن مشرفي السوق تعريف الضيوف بالمواقع الأثرية والحضارية والتراثية والسياحية لهذه المدينة الآسرة، مثل «قصر شبرا، ومسجد حليمة السعدية، ومسجد عبدالله بن عباس، وسد سيسد، والهدا والردف والشفا، وجبل الكر».
نستشف من تصريحات أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، اهتمامه الشخصي بالسوق ليكون علامة أدبية وثقافية بارزة ليس فقط على المستوى المحلي بل العربي، وها نحن نشاهد النجاحات تلو النجاحات، والمأمول من الجهات المعنية الالتفات لسوق حُباشة التاريخي الذي يقع في القطاع التهامي، وذلك من منطلق تنويع مواقع الأنشطة الثقافية وتوسيع دائرتها، والتعريف بهذا السوق التاريخي الذي حضره الرسول بائعاً بتجارة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهذا السوق بحسب كلام عدد من المؤرخين، واحد من أشهر أسواق العرب، وآخر سوق خربت من أسواق الجاهلية، يستمر لمدة ثمانية أيام من شهر رجب، يقع في ديار الأوصام من بارق نحو واديي قنونا وحلي، وقد حددت الهيئة العليا للسياحة والتراث موقعه الجغرافي، ولما يمثله هذا السوق من قيمة تاريخية فإن الوقت مناسب لإحيائه بتنظيم فعاليات متنوعة. المنجزات لا يصنعها إلا القادرون على ذلك وخالد الفيصل أنموذج في الريادة والقيادة وأحد أبرز رموز الثقافة في بلادنا.
ليعد إلى بهاء القصة
ها هو القاص والروائي والإعلامي الأستاذ علي حسون يترجل عن صهوة صحيفة البلاد بعد أن أمضى قرابة نصف قرن قدم خلالها كثيراً من العمل الصحفي الجاد والمثمر، ولزاويته المعروفة «من المحبرة» صدى واسع إذ ناقشت كثيراً من القضايا الاجتماعية والإنسانية والفكرية بأسلوب راق وجذاب، ولما يمتلكه من أسلوب قصصي نطمح لعودته إلى بهاء القصة القصيرة فهو من القادرين على شد أهداب عيوننا بروعة أسلوبه وعمق فكره.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٩٥) صفحة (٩) بتاريخ (٢٥-٠٧-٢٠١٦)