عندما كنت صغيرا كنت أرى الناس طيبين، وتمنيت أن أصبح شيئا نافعا يخدم المجتمع، بعد الثانوية تمنيت أن أصبح طبيباً لما يتمتع به الطبيب من احترام وتقدير من المجتمع، وفي كلية الطب وعدت نفسي بأن أعمل من أجل المريض ولا أتجه للطب الخاص وأترك المرضى للمقيمين والمبتدئين، تخرجت وعاهدت نفسي بتعليم من بعدي حتى لا تتكرر تجربتي مع من سبقني!، وبعد إنجاز البرنامج لم أفكر بالذهاب لبلاد الفرنجة لإيماني بأن التدريب في وطني يضاهي الغرب، لكن القائمين على التوظيف يرون أن الزمالة الغربية أعلى وأبهى وأجمل وأقدر وأكثر رفعةً وشأناً من المحلية فذهبت رغبةً في رضا المتفرنجيين وطمعاً في زيادة الراتب، عدت وآليت على نفسي أن أبذل الغالي والنفيس لتحسين الوضع، لكنني وبناء على إلحاح الزملاء سلكت مسلكهم بداعي خدمة المجتمع فاتجهت للخاص وأهملت الحكومي، لكن ضميري لم ينم كلياً فأقسمت إن توليت الإدارة لأصلحن الوضع وأعيد الأمور إلى نصابها وتحسين ما استطعت، فابتلى الله الأمة وأصبحت مديراً، فأول ما فعلت أن استغنيت عن كل من في الإدارة السابقة لإحساسي بأنهم حرامية ومفسدون، ولقناعتي بالتجديد أحضرت الأقارب والأحبة ليكونوا عيوني التي تنقل كل ما يدور ومنحتهم ثقتي العمياء، فأشاروا علي بتغيير الأثاث المكتبي ودهن الجدران والممرات وتجديد السيارات وصرف البدلات والانتدابات لي ولهم، اهتممت بعلاج المقتدر وصاحب الوساطة وأهملت المسكين الفقير لقناعة مستشاري بأن المرض ابتلاء وامتحان وللضعفاء الأجر والمثوبة (على قدر الابتلاء يكون الأجر)، هناك شائعات بعزلي عن الإدارة وإيقافي عن العمل، لكن عقال أبي لم يسعفهم بعد أن ترك علامة في ظهري مرددا قم لصلاة الفجر يا ضائع!!!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٩٨) صفحة (٥) بتاريخ (٢٨-٠٧-٢٠١٦)