لطالما ارتبط رغيف الخبز بالحياة وبمعاني الحرية واعتبره البعض رمزا للرزق الذي يتجلى في قول المثل المصري «عض قلبي ولا تعض رغيفي إن قلبي على الرغيف رهيف» هذا الرغيف البسيط الذي يتساوى في تناوله كل البشر كوجبة موحدة تعبر عن انتماء الإنسان للأرض وحنطتها وقمحها وبذورها وتعبر عن الوفاء عندما يكون بيننا خبز وملح.
الرغيف هو الأرض وهو الحقيقة المتداولة بين البشر مع اختلاف شكل الأرغفة التي تنقسم على عامل واحد هو الإنسان الذي يدوخ كل يوم في رحلة بحثه عن الرغيف أو ما يتردد في خاطره دائما «لقمة العيش» ذلك الذي قد يجعل منه محروما من الحرية أحيانا ومن التعبير والانطلاق أحيانا أخرى وقد لا يشعر بمرور الوقت وعبور موجات الزمان لأن فلسفة الرغيف والبحث عنه والعمل من أجله تستدعي البقاء دونما حرية ليظل رهينا لهذا الرغيف الساخن والطازج الذي يتقاسمه بعض الناس وأحيانا يكون يابسا حسب مقتضى الحال وطريقة الطهي ورائحة الخبز الزكية التي تخرج من فرن الطابون أو التنور أو من الأفران الكهربائية بنكهاتها المختلفة تفوح منها رائحة الحرية وصدق الأرض والصبر ومواسم الحياة ولحظات تجلي الصبح.
إنه الخط الأحمر الذي لا يمكن للإنسان العربي تجاوزه وهو يقدم قلبه قبل رغيفه لأنه يعلم أنه الأهم وأنه أساس البقاء وأنه القضية المركزية التي تطوف حولها كل المحاولات والنزاعات الإنسانية فهو الذي يرسم مستقبل الأمم ويعيش معها ويلات تشردها متحدثا بلغتها ويعبر عن حالها، فما الفرق بين الخبز والحرية غير قيد البقاء وما الفرق بين الخبز المعجون بوصفتنا العربية البسيطة وبين الخبز الفرنسي الفاخر غير الفارق ما بيننا وبينهم أولئك الفارهون المطمئنون ونحن الخائفون على بساطتنا من الانقراض وعلى لوح الحياة الأخير الذي نوقعه في كل يوم على كل لقمة منه كمبيالات الولاء والسكوت ونحن نحيا ببقايا أمل قد يلوح في الأفق خارج خرائط الجوع ونواسي بعضنا برائحة خبز قد تتفوق على رائحة الدماء وعلى حقول من الحنطة تتجاوز امتداد الجنائز والمقابر.
عندما نتوق إلى لهفة الصغار وأصابعهم تمتد لتقطف من الرغيف العربي لحظة أمان في عالم يتصدع الشرخ فيه إلى عمق الرغيف إلى الأصابع التي احترقت في تنور الحقائق التي لم تعد تقدر على صناعة رغيف خبز الحرية والأمان ولم تعد تقدر على صناعة رغيف صادق يتجاوز كل الأكاذيب ويعجن شعبنا العربي في رغيف عدالة يكفي لصناعة وطن يتسع للحياة دون مفاجآت ومؤامرات ليخرج من قيد الأفكار العقيمة إلى بساطة الصدق.
لم يكن للخبز يوما لونه الأحمر ذلك لأنه رفض الموت الرخيص على الرصيف واختار معجزة البقاء دافعا كل الأثمان ليظل بياضه قطرة أمل تطفو على صفحة الماء قطرة ذاكرة واحدة لمفكرة عن تواريخنا تلك التي ارتضتها شعوبنا العربية ولأزمان طويلة في مقابل رغيف يعيش معنا لحظات القلق والخوف ويصادر منا جوعنا ووجعنا.. صار الرغيف قصيدة وكلمة تعيش حالات الانتظار على رصيفنا العربي كلوحة القمر الذي ينتظر اكتماله بحلول الأمان وبحل معادلة الجوع والشعب في معضلة رغيف واحد ينبض ليكون وطنا مستديرا نقضم منه ما تبقى من أمل وننام على قارعة الانتظار.
يقول الشاعر نزار قباني
مَن علَّمني/ كيفَ أُكَوِّرُ قلبي مثلَ رغيفِ الخبز،/ لكي أُطعِمَهُ للإِنسانْ./ مَنْ علَّمني/ كيفَ أُزيلُ الكِلْفَةَ بين كِتَابِ الشِعْرِ،/ وأفواهِ الفُقَراءْ/ كيفَ أكُونُ بسيطاً
مثلَ العُشْبِ،/ ومثلَ الماءْ../ أَنْ أَستعملَ لغةً/ فيها نَزَواتُ الأَطفالِ../ وفيها إحسَاسُ البُسَطَاءْ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٩٩) صفحة (٩) بتاريخ (٢٩-٠٧-٢٠١٦)