حافظ العتيبي

حافظ العتيبي

مع تسارع الأحداث في المنطقة والمخططات التي أحيكت منذ الأزل ضد العالم الإسلامي والمنطقة العربية عامة والخليج العربي خاصة التي تم إعدادها بدقة متناهية ومراحل متعددة من قبل عدة جهات وأطماع وأيادٍ غادرة في المنطقة.
السؤال الذي يجب طرحة: ماذا أعددنا لهم؟
سياسة التقوقع في العالم العربي وخاصة الأمنية أعتبرها فاشلة بشتى المقاييس. ففي معظم الدول العربية الجهات الأمنية مهتمة بالأمن الداخلي فقط، وهو شيء أساسي لا نختلف عليه. ولكن مع تسارع الأحداث يجب التركيز على الأمن الخارجي وماذا أعددنا من الدراسات والبحوث والمعلومات عن أعدائنا في المنطقة؟
ومنذ متى نحن نُعد لهذا اليوم؟
دعونا نتطرق عن سياسة إسرائيل بحكم وجودها بيننا وفي منتصف الشرق الأوسط؛ حيث تفوقت علينا في شتى المجالات والميادين على الرغم من أنها ليست بصاحبة أرض.
تفوقت علينا في العلم والصناعة وإنشاء مدن حديثة، وإسرائيل تُخرج العلماء سنوياً وتخترع، وهي في المرتبات الأولى بين دول العالم الأول في شتى الميادين والمقاييس، والمنافسة في مجال الزراعة، وسياسيا تعيش إسرائيل فترة انتعاش سياسي وأمني واقتصادي لم تشهده من قبل. وكل هذا ناتج عن تخطيط محكم من قبل الساسة والجهات الأمنية الداخلية والخارجية.
ففي وزارة الخارجية الإسرائيلية لا يتسلم أي سياسي أو شخص يعمل في شؤون الشرق الأوسط مهامه دون إنهاء دورات متخصصة في إتقان اللغة العربية، ودراسة الإسلام ومقدمة ابن خلدون، وكيفية جمع المعلومات وكتابة التقارير، والتدريب على كافة صفحات التواصل الاجتماعي.
قد يستعجب البعض ولكن هذه هي الحقيقة والواقع! وخاصة مقدمة ابن خلدون الغنية بالمعلومات السياسية والاقتصادية والأمنية وكُتبت المقدمة عن الشرق الأوسط والمواطن العربي.
هل يوجد من ساستنا من قرأ ودرس مقدمة ابن خلدون وخاصة من يعمل في السلك الدبلوماسي أو الاقتصادي أو السياسي؟
لذلك تفوقت علينا إسرائيل، وأضيف إلى ذلك وجود معاهد تعد دراسات دقيقة عن السياسات في الشرق الأوسط والعالم أجمع، ومنها (معهد دراسات الأمن القومي)، وهو من المعاهد التي تستند الحكومة الإسرائيلية إلى دراساتها في سياساتها ومخططاتها.
والدراسات التي يقدمها هذا المعهد شاملة ودقيقة جداً وتستطيع قراءة ما بين السطور وفهم ما يحاك ضد المنطقة والنظرة المستقبلية عن مستقبل المنطقة وخاصة في الشرق الأوسط. وعند انتشار صفحات التواصل الاجتماعي في العالم، أصبح يعد دراسات دقيقة عما يتداول في هذه الصفحات ودراسة الردود والتفاعلات وتأثيرها بالشارع عن أي موضوع يتم نشره.
ففي عام 2008 وقبل الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم وبدأت من البنوك بإعلان إفلاسها، نشرت جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية مقالاً لم ينتبه له أو يقرأه الساسة والاقتصاديون العرب وحتى إعلامنا لم يسلط الضوء عليه، وكان المقال فحواه وباختصار:
عن التوسع العربي وخاصة الخليجي في الاقتصاد وشراء دول الخليج الصناديق السيادية والسندات في أوروبا خاصة وأمريكا عامة. وكذلك أصبحت دول الخليج تضخ أموالاً لشراء الفنادق والعقارات، مما أثار حفيظة الساسة الإسرائيليين والتخوف من سيطرة دول الخليج على اقتصاد أوروبا والعالم، والسيطرة على الاقتصاد يعني السيطرة على السياسة. وذكرت الصحيفة أسماء دول الخليج (السعودية، قطر، الإمارات).
وطالبت الصحيفة بمشاركة رجال الأعمال الإسرائيليين وخاصة دخولهم سوق دبي واقتسام جزء من هذه الكعكة الاقتصادية، ويجب وضع خطة دقيقة لردع تلك الدول من السيطرة على رأس المال الأوروبي والسوق الأوروبية، وكيفية وضع خطة محكمة لإعادة رؤوس أموال تلك الدول إلى الداخل، وكيفية تراجع أسعار النفط كضربة ثانية وتأثيرها على اقتصاد تلك الدول (دول الخليج).
وشرحت الصحيفة بالتفصيل ما سيحدث من أزمات. ومباشرة وبعد هذا المقال بأشهر ضربت العالم الأزمة الاقتصادية المعروفة في 2008، وفعلا أصبح تركيز الحكومات وتفنين الاستثمارات الخارجية. وحالياً نحن نمر بأزمة اقتصادية أخرى ومنها هبوط أسعار النفط.
وأسرد قصة ثانية حدثت مع صديق لي وهي أيضاً عن إسرائيل، ولكي لا ينتقدني الإخوة القراء وتوجيه أصابع الاتهام لماذا المديح بهم؟ جوابي هو ليس بمديح ولكن لنعتبر من الدروس.
ففي عام 2012 تلقى أحد الزملاء الأكاديميين دعوة من جامعة تل أبيب لمقابلة طلاب قسم دراسات الشرق الأوسط، وذلك بصفته عربيا ومسلما وأكاديميا من منطقة الشرق الأوسط. وقَبِل الدعوة ليس من منطلق التطبيع ولكن من منطلق الوصول والإبحار في الفكر الإسرائيلي، والتعرف على الاستراتيجيات وكيفية وضع الدراسات والبحوث. ومن ضمن حرم الجامعة يوجد معهد موشاديان لدراسات الشرق الأوسط وجميع العاملين به أكاديميون يحملون شهادات الدكتوراة ودرجات البروفيسور، وكذلك متقاعدون من جهاز الموساد الإسرائيلي. ودُهش هذا الزميل عندما دخل هذا المعهد؛ إذ يُزين المدخل لوحات وإطارات من أسماء قيادات إسلامية معروفة ومنها (خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي)! وفي الطرف الآخر يوجد مكتبة غنية بالكتب العربية والإسلامية القديمة التي يجزم هذا الصديق بأنه لا توجد نسخ من تلك الكتب في أي مكتبة عربية أو إسلامية وخاصة عن التكتيكات الحربية في الغزوات التي كان يستخدمها خالد بن الوليد وصلاح الدين في غزواتهم. وعند السؤال عن تلك الكتب والقيادات الإسلامية وسر الاهتمام بهم كان الرد المفاجئ:
«نحن نقرأ تاريخكم وندرسه ونبحث فيه وخاصة الخطط العسكرية الحربية التي كان هؤلاء القياديون المعروفون يستخدمونها في تكتيكاتهم الحربية، وجميع المعارك التي خضناها مع العرب هي من تكتيكات تلك القيادات، لديكم ميراث غني بالمعلومات ولكنكم لا تقرأون تاريخكم، ونحن نعتز بهذا الميراث المنسي ونبحث فيه ونطوره».
ومن ضمن العاملين في هذا المعهد التقى هذا الزميل ببروفيسور تخصصه القبائل العربية ليتفاجأ بكمية المعلومات التي يُلم بها وبجميع القبائل والعشائر العربية وأصولها وتمركزيتها ونظامها وتأثيرها في القرار السياسي ودورها الفاعل في الحكومات والمجتمعات ودورها في اتخاذ قرارات رئيس الدولة.
بالنسبة لي لم أقابل أكاديمي عربي بدرجة بروفيسور تخصصه القبائل العربية؛ لأنها بالنسبة لنا مضيعة وقت و»لا توكل عيش».
هم أعدوا لنا، ولكن نحن ماذا أعددنا لهم؟ النتيجة واضحة.. لم نُعد شيئاً حتى انهارت حكومات وسقطت دول وجيوش عربية كبيرة واشتعلت نار الفتنة الطائفية بيننا، وزُرعت في منطقتنا فرق ضالة مثل داعش وبن لادن وغيرها.
الوقت ليس متأخراً لكي نقف مكتوفي الأيادي ولنتفادى أقل الخسائر، ولكن هل نحن مستعدون لتغيير استراتيجياتنا لمواجهة بداية المد القادم؟ نعم هي البداية.. والقادم مع الأسف أعظم، والله المستعان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠٠) صفحة (٨) بتاريخ (٣٠-٠٧-٢٠١٦)