جاسم العبود

جاسم العبود

منذ القدم والقراءة تعتبر السلاح الإنساني ضد الجهل، من خلال القراءة يكسب الإنسان عديداً من المعارف والعلوم والأفكار، القراءة كفيلة بتطوير الإنسان ونقله إلى أفق ومجالات جديدة وعديدة ما كان ليتبوأ تلك المكانة لولا سلاح القراءة.
رغم اجتياح العالم بالكتب الرقمية والقراءة الإلكترونية يبقى للكتاب رونقه ومتعته، وتبقى للمكتبات نكهتها الخاصة برائحة الكتب القديمة المرصوصة على الرفوف وما أمتعها من لحظات نقضيها بين أروقة تلك الثقافات والعلوم التي تحاكي عبق التاريخ.
يروى أن أول وأعظم مكتبة عرفها التاريخ هي مكتبة الإسكندرية الملكية القديمة، شيدها بطليموس الأول سنة 330 قبل الميلاد، وترجع شهرة هذه المكتبة إلى أنها أول مكتبة حكومية عامة في العالم القديم، قبلها يوجد مكتبات المعابد الفرعونية ولكنها خاصة بالكهنة فقط، كما يروى أن الفراعنة كتبوا على باب أول مكتبة وضعت تحت رعاية آلهتهم: (هنا غذاء النفوس وطب العقول).
من باب حرص هذه الأمم المتيقظة على نشر العلم وتسهيل أسبابه، شجعوا القراءة وسهلوا سبل نشر هذه الثقافة بين فئات المجتمع، ولا تزال القراءة من أهم وسائل نقل ثمرات العقل البشري وآدابه وفنونه ومنجزاته ومخترعاته وهي صفة اتسمت بها الشعوب المتقدمة الساعية للرقي والصدارة.
يؤسفني أن أرى الفجوة بين الكتاب والقراء تتضخم يوما بعد يوم حتى انتقلت عدوى العجز وكسل القراءة إلى النخبة من مثقفي المجتمعات، فأصبح الجميع يجري خلف الثقافة العابرة السريعة، هذا ما استنتجته في الآونة الأخيرة حينما تعمدت نشر حكم وعبارات قصيرة بسيطة مؤثرة عن الحياة مرفقة بصورة تعبيرية على صفحتي الفيسبوكية، فقد حظيت هذه الأطروحات الخفيفة بإقبال واسع من معجبي ومشاركي الصفحة!!
منذ زمن بعيد ومقولة (أمة اقرأ لا تقرأ) تتكرر على مسامعي ولكن، تجربة المنشورات القصيرة استوقفتني وتركت في نفسي أثرا بعيدا عن الغبطة، وعدت بالذاكرة لهذه المقولة وبت أحترم من التقط هذه الصورة المعبرة من واقع الأمة الإسلامية.
رغم أن أول أمر إلهي أمرت به الأمة الإسلامية هو (اقرأ)، إلا أن مهارة القراءة مع الأسف أضحت آخر ما نفكر فيه!
كيف لنا أن نرتقي بأنفسنا ونواجه أعاصير الحياة دون القراءة والمعرفة، كيف سيكون مصيرنا ومستقبلنا بين الأمم ونحن بعيدون عن (القراءة) باب العلوم والمعارف المتنوعة، كيف لنا أن نرتقي ونحن نائمون وغارقون في النعم دون الإحساس بما يدور حولنا، بينما غيرنا من الأمم يلهث في دور العلم والمعرفة سعيا للتقدم المستمر نحو الطليعة!
يؤسفني أن أرى مثقفا يقرأ كي يكتب فقط، أو يقرأ كي يتحدث في ندوة أو مقهى، فضلا عن الغالبية ممن عزفوا عن القراءة واكتفوا بالصحف والمواقع الإلكترونية المبسطة، بينما عامة الناس سحرها غرام الواتسآب وتغريدات تويتر ومنشورات الفيسبوك، ويوما بعد يوم نرى أنفسنا نعود للوراء وقد ينتهي بنا الحال يوما ما للكتابة التصويرية (إيديو غرافيا) للتعبير عن أفكارنا ومشاركة الآخرين ما يجول في خواطرنا!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠١) صفحة (٩) بتاريخ (٣١-٠٧-٢٠١٦)