علياء الموسوي

علياء الموسوي

«القهوة هي القراءةُ العلنية لكتاب النفس المفتوح والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار» هكذا قال الشاعر محمود درويش في ديوانه ذاكرة النسيان، الذي تغللت في وريقاته رائحة البن العتيقة وتفاصيل الأحاديث المتلونة في المقاهي الضاجة برائحة القهوة الفذة المعدة للتو، بعبث فوضوي تكتسي الوجوه الصباحية المتقلبة كمزاج قهوتهم تماما، التي تحمل حكايات الجيران وشكاوى الآباء وخبايا ألعاب الصغار وهموم المثقفين الذين لا يفارقهم كوب من القهوة المرة المحلاة باسم الحبيبة التي تخفي أسرارا عميقة وثيقة، كعلاقة القهوة بالمثقفين ودهاليز الكتب الكثيرة، أهناك علاقة فعلاً كما هو يعرف أم هي صورة نمطية عن القهوة؟
يرتبط عادة المثقفون بالقهوة خصوصاً الأدباء في مجال الكتابة الإبداعية، على سبيل المثال مصر التي اشتهرت بمقاهي تحمل أسماء كتاب كبار مثل نجيب محفوظ، الذي تميز بشرب ثلاثة فناجين من القهوة عند ممارسة طقس الكتابة، إذ إنه بمجرد سؤالك عن مكانها في العم قوقل تجد جميع التفاصيل عنها، كل ذلك يرجع إلى تردد هؤلاء على هذا الحي الشعبي منذ عدة سنوات انصرمت، لشرب القهوة وتبادل الأحاديث الثقافية في تلك الفترة.
إلى ذلك، فإن الأمر لم يختص بالعرب وحدهم بل إن التاريخ يشهد إدمان عدد من المبدعين منهم الروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك الذي كان يستهلك خمسين فنجانا يوميا، والموسيقي الشهير بيتهوفن الذي كان يعد حبات البن، والفيلسوف كيركيجارد الذي تميز بأنه يصب القهوة السوداء على الفنجان ثم يتجرع الناتج الذي كان يأتي في قوام الوحل، هذا ما شكل انعكاسا جيداً لأصحاب المقاهي لجذب الزبائن التي أصبحت تبيع الكتب بين مشروباتها، بالإضافة إلى ارتباط اسم القهوة والمقاهي بالمثقفين دائماً.
ترجع حكاية ارتباط المثقفين بالقهوة إلى الأناضول في عهد سليمان القانوني عام 1540م، إذ أسس زوجان أول مقهى للقهوة السوداء في القلعة الخشبية في إسطنبول، وأضحى يتردد عليها المثقفون والأعيان من الوزراء والولاة إلى أن تم تشكيل جمعية للقهوجيين، حتى باتت «القهوة السوداء» نديمة المثقفين وقرينة إلهامهم حتى امتزجت بكتاباتهم، حيث يقول الشاعر نزار قباني «والقهوةُ أنثى شهية اللون والرائحة، عذبة المزاج صباحية الأشواق تداعب قلب العاشق ببطء، وترفع نسبة الحنين في دمه لتتركه معلقا بين أحضان حلمه ونشوة حقيقته هكذا لموعد فنجانه الآخر في صباحهِ التالي».
يعتقد العلماء في مجال علم النفس أن العلاقة الجوهرية بين القهوة والكتاب ترجع إلى ما يحتويه البن من مواد منشطة ومنبهة للعقل تساعد في إعطائه لمسة سحرية حسب تعبيرهم، فهي تحوي على مادة الكافيين التي تعد منشطا للدماغ ومنبها جيدا للسهر الليلي، الوقت الذي يراه بعض من المثقفين جوا مناسبا وآمنا لممارسة الحب كما يقولون بشكل يومي أي ممارسة الكتابة والقراءة على حد تعبيرهم.
كل ذلك لا يعني أن هناك بالفعل علاقة وطيدة وعلامة أكيدة ونتيجة محسومة على أن شرب القهوة عادة المثقفين أو من سمات المبدعين، فقد لجأ إليها بعض منهم وليس جميعهم، بسبب ما تمنحه من شعور مليء بالنشوة والحيوية، من جانب آخر هناك من يفضل شرب الشاي أو التدخين مثلما يفضل بعضهم سماع أغاني فيروز صباحا لا أم كلثوم، الأمر كله يرجع لذائقة الشخصية لكل إنسان لا غير ذلك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠١) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-٠٧-٢٠١٦)