امتنان محمد برناوي

منذ أن كنا صغاراً تعودنا على أن نتلقى النصائح والإرشادات من الوالدين أو ممن هم أكبر منا سناً بالأخص قبل مغادرتنا المنزل وبيئتنا الصغيرة المغلقة، حرصاً منهم على تهذيبنا وخروجنا بصورة جميلة تعكس تلك البيئة التي نمثلها. بعد ذلك ارتدنا المدارس وواجهنا أيضاً عديداً من اللوائح الإرشادية والقوانين الصارمة التي تفرض علينا التهذيب والتحلي بمكارم الأخلاق في الأماكن العامة وأماكن العلم بشكل أخص. من هناك انتقلنا إلى الجامعات التي بها وجدنا أيضاً عدداً من اللوائح والأنظمة. في كل تلك المراحل والسنوات السابقة فرض علينا التهذيب بطريقة أو بأخرى ولم نخير فيه بتاتاً؛ حيث كانو يطمحون إلى إنتاج جيل حسن في سلوكه يمتاز بالتهذيب والانضباط. لم نخير مسبقاً في أي شيء بل كنا نطبق ما يملى علينا غالباً من باب الخوف والرهبة من العقوبات المترتبة على التمرد. انتهى وقت التربية، وحان بعدها الوقت للخروج فعلاً الى أرض الواقع من خلال بيئة العمل. لا يخفى عليكم أن بيئة العمل مع الأسف لا تختلف كثيراً عما سبق من البيئات المختلفة. في كل بيئة عمل نجد أيضاً كثيراً من الأنظمة من أجل ضبط العاملين في كل منظمة. ولكن نأتي لأمر مهم يصنع الاختلاف عما سبق. في هذه المرحلة يصبح الإنسان العامل بالغاً، راشداً، صاحب رأي ونفوذ، بذلك يمتلك القدرة والشجاعة لكسر واختراق تلك اللوائح والأنظمة مدركاً تماماً العواقب. يصبح حينها لا يهاب العقوبات، ويكون متمرداً أحياناً. لماذا حصل ذلك؟! لأننا منذ الصغر لم نسخر قوة التهذيب الداخلي التي أوجدها الله في كل منا، بل كانت القوى الخارجية هي المهذب لنا، المحصلة متى ما طغت القوى الداخلية ستغلب تلك الخارجية ويتكون ذلك الشخص المتمرد.
تهذيب النفس مصطلح قد نعجز كثيراً عن تفصيله وإيصاله، فهو ذو معنى عميق جداً، ولكن بكل بساطة لنسعى حتى نعيد تهذيب أنفسنا الآن. لا تنتظر اللوائح والقوانين الخارجية حتى تؤدي ما عليك، لا تنتظر منبه الجوال ليوقظك في الصباح مراراً وتكراراً بعد الغفوات المستمرة، لا تنتظر الاختبار لتدرس وتجتهد، لا تنتظر اتصالاً من رئيسك يذكرك فيه بموعد تسليم عملك. اجعل ضميرك هو المنبه لك لأداء كل مهمة في وقتها بل بالكيفية التي ترضى بها أنت قبل أن يرضى بها غيرك.
متى ما هذبنا أنفسنا في صغائر الأمور، ستتهذب في أعظم الأمور وأكبرها. بذلك لن يكون هناك مستحيل بل هناك الصعب الذي نعمل للوصول إليه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠١) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-٠٧-٢٠١٦)