سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

قبل أسبوعين تقريباً وفي ليلة صيفية دافئة عزمت على استضافة بعض الصديقات، فعطرت المنزل وطيبته، وأعددت لهن ما لذ وطاب، وأخرجت الأواني الكريستالية الثمينة. لكن الأواني لم تكن الشيء الوحيد الذي أخرجته، بل وكما جرت العادة ومنذ اقتنائي لقط منزلي مدلل كان علي أن أطرد صغيري خارج المنزل قبل وصول الضيوف، فمعظم صديقاتي العزيزات يستنكرن وجود حيوان أليف داخل المنزل. الطريف أن طردي له لم يكن كافياً كي تمر تلك الليلة بسلام، فقد أصر على الوقوف أمام الباب بانتظار العودة إلى أحضاني، مما جعل مغادرتهن عملية حساسة ومخيفة؛ فهن يخشين أن ينقض عليهن أثناء ذلك، فكنت في كل مرة تهم إحداهن بالخروج أرفعه عن الأرض وأطوقه بذراعي حتى تعبر بأمان. عموماً، هذا الموقف المضحك المؤسف ليس هو ما استحثني على الكتابة، بل الصورة البشعة المنشورة قبل أيام التي تظهر عدداً كبيراً من جثث كلاب الشوارع متراصة بعد أن قامت البلدية بقتلها والقضاء عليها تماماً بناءً على طلب السكان! الصورة المؤلمة جعلتني أتأكد أن لدينا مشكلةً ما، وأننا نعاني من نقص حاد في الرحمة تجاه مخلوقات الله على مستوى الشعب وحتى المسؤولين، فما السبب؟
حین نحلل هذه الظاهرة المستشرية في المجتمع نجد أن نفور الناس وعدم تصالحها مع الحيوانات الأليفة (خلافاً لما نجده لدى المجتمعات الأخرى) مرتبط بثلاثة أسباب رئيسة متداخلة، فإما أنه مبني على الفكرة السائدة أنها تنقل عديداً من الأمراض وأنها كائنات قذرة ملوثة، أو أنها كائنات نجسة ويكره تربيتها شرعاً، أو كونها مسألة ذوقية بحتة وحالات رهاب مرضي خصوصاً لدى السيدات. بالطبع جميع هذه الأفكار راسخة ومتشربة من الموروث الشعبي والديني فيما يخلق حصانة ضد أي معلومات طبية حديثة أو روايات دينية متسامحة رحيمة تدعو إلى الرفق بالحيوان. مع الأسف الشديد ليس من المستغرب ميل مجتمعنا إلى الانتقائية والتطرف غافلين تماماً عما يرافق تربية تلك الحيوانات من إيجابيات. فعلى سبيل المثال وتفنيداً للسائد من الأفكار تثبت الدراسات الحديثة أن تربية حيوان أليف لها فوائد صحية عديدة من أهمها أنها تقلل نسبة الإصابة بالتوتر والقلق وأمراض القلب والشرايين، ولا ينقل الأمراض إلا كائن حي مريض لا فرق إن كان حيواناً أو من بني البشر. أما من ناحية شرعية فتوجد كثير من الاختلافات بين الفقهاء في حلية الاقتناء وفي حدود الطهارة، كما أنه يصعب الأخذ بروايات الآحاد الغريبة التي يناقض بعضها بعضا، فتارة ينسبون لرسول الله وحاشاه أنه أمر بقتل كل كلاب المدينة، وتارة يروون أنه لم يفعل لأنها أممٌ أمثالكم وفيها منافع ككلاب الصيد والحراسة، وتارة يختص أمر القتل بالكلاب السوداء!
أما آن أوان مراجعة تلك الرواسب التي جعلتنا كائنات كارهة لكل المنظومة البيئية التي نعيش فيها، ونبدأ العيش في تناغم مع الطبيعة!
أنا تناغمت، فماذا عنكم؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠١) صفحة (٨) بتاريخ (٣١-٠٧-٢٠١٦)