هيثم آل ريس

هيثم آل ريس

أنا أملك ذاكرة الأطفال، وربما هو قلب الطفل، فمهما توسع وازداد في «شسوعه» إلا أنه هو الصغير الذي ينسى بسهولة، الذي يُغرى بسهولة بأي فعلٍ يُحرك فيه الشغف.. يمكنك بسهولة أنّ تشدني بقطعة حلوى قليلة الثمن، ببالون منفوخ، وبأحاديثك الكثيرة التي تبدو مثيرة لحد كبير، لأني أُحبك.. سأراها كذلك على كل حال، ولأني أملك ذاكرة طفل، لن أستطيع رؤية خناجرك، ولا أدواتك الحادة التي غرستها بجسدي؛ لأن جسمي غيمة مُتنقلة، لا يمكن اختراقها أو إصابتها بالأذى، يُعجبني أن أكون بالقرب، لكني سراب بالرغم من ذلك؛ إنّ أقرب حالة يمكنك أن تكون بها عند شخص ما، أن تصبح جزءا من فِكره حال صحوه ومنامه، تشاركه الوجبات، والعمل، والذهاب للمتنزهات، وقراءة الكتب، بالرغم من أنك بعيد عنه، وتقبع في مكان آخر من العالم حيث لا يمكن الوصول إليه حتى لو كانت المسافة بينكما شبراً، أو أقل، إلا أنك تشكل فيه نفسه، وهكذا لن يكون وحيداً أبداً، بالرغم من أنه يعيش في اجتماعٍ يجعله أكثر بعداً عن الإحساس بوجوده في الحياة.
متى ولدت؟ سؤال اعتباري، لشخصٍ بدأ يُصاب بالشيخوخة، الذين يراقبون عداد حياتهم، هم على حافة النهاية، ويمكنني أن أرى ذلك كم بقي على موعد الدواء؟ كم بقي على موعد الطائرة؟ أنا أتأخر… كم بقي على موعد نهاية شبابي أنا أشيخ؟، وكل تلك الأسئلة التي تدل على توترٍ عميق، يتراكم، ويقضي معه على الشغف، وعلى البريق الذي تحمله الطفولة، ومن هذا النحو، يفسد الناس حياتهم فيبقون في حالتهم منتظرين النهاية. العيش على الحافة يجعلك بهلوانياً، لكنه يقضي على نظرك لغير ما أنت فيه على مدار الساعة.. ما هذا الألم؛ أن تبقى في ذات المكان، ثم تكون جزءا منه بعدما تتحول إلى نفط في باطنه، أو حديثاً في ذاكرته، وهكذا يأسرون أنفسهم في سجن أرقام لا تعبر عن شيء، بينما يصاب وجودهم بالتصحر والشيخوخة السريعة.
لقد عرفتُ عمري بالمسافة بيني وبين الأشياء، فعمري بالنسبة لمكتبي هو متر واحد، وبالنسبة لمكتبتي متر ونصف المتر، وعندما يتعلق الأمر بالزمن فلستُ محدوداً فربما أكون بألف عامٍ في لحظة، وفي الأخرى بعامٍ واحد فقط، وفي غيرها بأيامٍ معدودة، وربما سويعات، أو لحظات ليس إلا. لقد عزلت الحدود والرواسب التي تحد من أفعالي، هكذا أمشي في كل طريق بلا حد يعترضني، ثم يمكنني سماع ترانيم قلبي بلا غوابش صوتية، وضجيج يحجبني عنه؛ إني محجوب عن كل ما يقف بيني وبين قلبي.
توقفتُ أسمع إلي في المختلفاتِ، وأتحسس لغتي في قلوب العاشقين، وفي المُقل الجميلة رأيتني خُبزاً، وفي الأفئدة الطامحة أصبحت نهراً يسقي العطشى إليه، ثم أنظر في وجهي الذي يعود إلى طفولتهِ في كل مساحةٍ تزرع وجوده في سدتها، وفي الأماكن التي تولد لتدل إليه في الوجود.
أمشي وأتخطى المراحل التي يسكنها الناس ثم يرحلون، لكنها لا تؤثر بي، لأني لا أحس بها.. فقط هي جزء من مساحةٍ ما في جسدي المجري، يمكنني الوصول إليها فأكون في عمر النجوم، أو في عمر المجرات، أو في عمر الطفولة أبد الدهر، ومن الفراغ أزرع نفسي بالشكل الذي كنتُ عليه دوماً أكثر جمالاً وطفولة في كل مرّة يسعى بي العالمُ كلغةٍ تحكي بي الآلام حين تكون حلوةً وأقضمها كقطع بسكويت، وحلوى، وكعك، وفي حفلات الشاي أبدأ مرّة أخرى بالتوجه للكتابة، وهكذا أجد ما يوصلني لكل بقعةٍ في العالم أسرع من الطائرات النفاثة كسائحٍ لا يبرح يوماً إلا أن تطأ قدماه مساحة أخرى بشعورٍ آخر يجعلها أرضاً جديدة لم تطأها نفس إنس ولا جان قبل الآن.
إنّ ذاكرتي شعورية أكثر منها صورية وزمنيّة، أنا أتذكر ما أشعر به، بتفاصيلٍ مُغرقة بالدقة، لكن ما أتذكره من الأشخاص، والمواقف، ليس كثيراً، إنه ليس إلا الرابطة بين شعوري الآن وشعور آخر أحسستُ به قبل الآن، وغالباً ما يغيب الأشخاص فيه، ويذوبون في ذاتي فلا يكونون منظورين.. وإنما جزء من نبضي ودمي، أو كمعلومة في مورثاتي تستدعيها الظروف لتظهر كأي معلومةٍ ورثتها من آدم عليه السلام، وحتى تلك التي ورثتها من أَبَوَي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠٢) صفحة (٨) بتاريخ (٠١-٠٨-٢٠١٦)