على قارعة الاختلاف والقبول والرفض يمكن أن ينمو التغيير الذي قد لا نحتمله، وكأن لدينا قناعة أن ما نحن فيه أفضل مما قد يجيء، وأن اليوم أفضل من الغد، وأن هذه المياه يجب أن تظل محكومة بالصنابير، وأن القضبان فرض واجب على خط سير القطار، وأن قناعاتنا الحتمية يجب أن تظل كحدوة الحصان، وأن قيودنا التي وضعنا قبل ألف عام لا تزال تذكرنا بأننا أحرار لأننا نحن من صنعناها واقتنعنا أنها يجب أن تتم بهذه الطريقة.
لكن هذا التغيير الذي قد لا نقبله لا يترك لنا خيارات كثيرة، إنه يركض كالعشب تحت أقدامنا ويتجذر في أرضنا ويتمدد على اللحظات المختلفة التي نشعر بها أحياناً وقد لا نشعر بها «فلا شيء يظل على حاله ودوام الحال من المحال وهذه سنة الحياة»، عبارات متكررة لكل شيء فيها منطقة المعلن أو الخفي الذي يبرر وضع قواعد التغيير.
ماذا تغير فينا؟
ملامحنا.. وجوهنا.. قناعاتنا.. ماذا تغير؟ ورثنا عن آبائنا لون عيونهم وطيبة قلوبهم وبعض كلماتهم الاعتيادية التي تنفلت من أفواهنا فجأة، ورثنا منهم طقوس الغضب ورحابة الرضا وكل الجينات العربية التي تجعلنا عاطفيين وحنونين أحياناً وقساة ومتمردين في أحيان أخرى.
ماذا تغير فينا؟ نعم تغيرنا في تقبل مجريات الأحداث، صرنا أكثر مرونة في قبول ما لا يقبل وتحمل ما لا يحتمل وفي إقناع أنفسنا بأن ما حدث أفضل مما قد يحدث، وأن زنزانة الخوف العربي لا بد أن تظل كابوس أحلامنا لنستيقظ في كل يوم لنعد أصابعنا ونحصي دقات قلوبنا ونقرأ في دفاتر وجوه صغارنا باحثين عن حالة استقرار توقف هذه الاهتزازات القوية والمتلاحقة ونحن نركض لنرتق ثقب سفننا الذاهبة في عرض البحر ونعيد ترتيب عناويننا على خريطتنا العربية وبناء أسوارنا المشروخة ونحن نبحث عبثاً فيمن يجلس تحت نوافذنا وخلف جدراننا وأسفل موائدنا ليأخذنا بعيداً إلى حيث يريد. كل ما يجري يقول إننا تغيرنا وإننا ورثنا كروموسومات تقبُّل الأمر الواقع وأبجديات النسيان، ورثنا فلسفة السير مع القطيع وأن كل ما يحدث يقول إن قليلاً منا يمكن أن يخرج رأسه من هذا المسار، وأن جميع من غرَّدوا خارج السرب عادوا ليشتكوا من الوحدة والتهميش والإهمال من اتهامهم بالخيانة والتطرف. تغيرنا وكل ما ورثناه تغير معنا حتى ملامح وجوهنا ونظرات عيوننا ولهفة أنفاسنا.
لنجلس قليلاً.. بعيداً عن الضجيج ونعد لحظات الاختلاف في أحلامنا البسيطة، لنجلس بعيداً ونحصي ماذا تغير فينا وكم من الأشياء التي غابت خلف أقدام الزحام وكم من الحكايات التي تلاشت قبل أن تأتي وظلت أحلاماً.
يقول الشاعر فاروق جويدة
تغير كل ما فينا.. تغيرنا/ تغير لون بشرتنا../ تساقط زهر روضتنا/ تهاوى سحر ماضينا
تغير كل ما فينا.. تغيرنا/ زمان كان يسعدنا.. نراه الآن يشقينا/ وحب عاش في دمنا/ ..تسرب بين أيدينا/ وشوق كان يحملنا.. فتُسكِرنا أمانينا/ ولحن كان يبعثنا.. إذا ماتت أغانينا تغيرنا/ تغيرنا.. تغير كل ما فينا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠٦) صفحة (٩) بتاريخ (٠٥-٠٨-٢٠١٦)