عبداللطيف السماعيل

عبداللطيف السماعيل

كان صراخاً مزعجاً نادى به كثير من المحرومين من القبول في الجامعات السعودية. وتنديدا فجًّا انساق وراءه العاطفيون كعادتهم في مواجهة المشكلات المجتمعية. وقضية انبرت لها نخبة اعتادت توجيه الرأي العام حسب ما يطلبه العاطفيون! حتى تحولت القضية من (أوجدوا لنا فرصاً تعليمية) إلى قضية (أخرجوا الأجانب من جامعاتنا).
ما أريده من هذه المقدمة، التي وإن بدت فظة عاطفية إلا أنها من باب ملاقاة الصياح بالصياح، ما أريده هو تفنيد الرأي القائل بعدم قبول غير السعودي في الجامعات السعودية بحجة الأولوية للسعودي. والتفنيد هنا من ثلاثة جوانب.
الجانب الأول أخلاقي قيمي. فكلما زاد الحس النفعي عند الإنسان كلما زاد اهتمامه بمصالحه الشخصية على حساب الآخر، وبالتالي على حساب مجتمعه، ووطنه، وأمته، حتى يتحول في النهاية إلى شخص مادي انتهازي لا أخلاقي. ومن هنا تسقط الأمم بسقوط أخلاقها وتبقى ما بقيت. ولو أسهبنا أكثر لوجدنا أن ديننا الحنيف هو المرجع الأساسي لنا في تأصيل وتقويم القيم والأخلاق. ديننا الذي يدعو إلى التراحم والتعاون والتشارك والإيثار على النفس ولو كان بالنفس خصاصة. ديننا الذي يغرس فينا أهمية أن يبني الإنسان نفسه كغاية سامية لغاية أسمى هي خدمة الدين والمجتمع. والمجتمع هنا يبدأ بالبيت وصولاً إلى الوطن وينتهي للأمة حتى يتناهى إلى الإنسانية جمعاء عملا على إعلاء الدين!
ولو رجعنا للموضوع محل النقاش، لوجدنا أن كثيراً من المقبولين من غير السعوديين لوجدناهم إخوة لنا في الدين والعروبة، ولربما كان أغلبهم من إخواننا السوريين واليمنيين وغيرهم من الذين أُوذوا وهُجروا من أوطانهم ولجأوا إلينا، فهل نقابل الواجب الأخلاقي والقيمي الذي تقوم به حكومتنا تجاههم بالمن والأذى؟!
الجانب الثاني جانب إحصائي، والإحصاءات تعتمد على الأرقام ولا تعترف بلغة العواطف. ولغة الأرقام المبدئية تقول إن نسبة المقبولين في الجامعات السعودية الحكومية من غير السعوديين لم يتجاوز الـ 5 %. فلو اتفقنا أن الأولوية والأحقية لأبناء الوطن، فهل هذه النسبة تستحق كل هذا الضجيج والتأليب؟ وهل المكاسب الاقتصادية من إحلال المحرومين من القبول من السعوديين محل هذا العدد القليل من غيرهم تفوق المكاسب الأخلاقية والقيمية؟ هل ستنحل المشكلة بهذا الإحلال أم إننا نبحث عن الحلقة الأضعف وحسب؟!
الجانب الثالث أكاديمي واقتصادي. فمن منظور أكاديمي ومنظور اقتصادي صرف، فإن التنوع والانفتاح على الآخر يخلق المنافسة، والمنافسة أهم محفز للإبداع والإنتاج، وبالتالي إيجاد الكفاءات التي استفادت من الاختلاط وتنوع الثقافات وتلاقح الأفكار. ومن هنا جاءت أساساً فكرة الابتعاث للخارج وفكرة الاستقطاب للداخل كذلك. ومن هنا تجد أن التعددية والتنوع من أهم معايير التصنيف في الاكاديميات العريقة لتجد على سبيل المثال لا الحصر أن عدد الطلاب الدوليين في جامعة هارفارد يزيد على 10 % بينما يزيد على‏ 30 % في معهد فلوريدا التقني حسب إحصاءات 2015. هذه النسب الكبيرة من الطلاب الذين تتكفل تلك الجامعات برسوم الدراسة وتكاليف المعيشة لأغلبهم في حين أن التعليم الجامعي لعموم الشعب غير مجاني. وهذا ما يفسر هجرة العقول إلى تلك البيئات الحاضنة وتميز الجامعات هناك أكاديمياً في مجال التعليم والأبحاث العلمية، وريادة دولها اقتصادياً في الصناعة والإنتاج.
إن عدم وجود فرص دراسية أو مهنية تستقطب خريجي الثانوية وتؤهلهم لسوق العمل لمشكلة كبيرة تنبئ بعواقب وخيمة على الاقتصاد والمجتمع. ابحثوا في أسبابها وابحثوا لها عن حلول دون أن تجهروا بالسوء من القول أو تحرموا أنفسكم من خير ساقه الله إليكم أو تقطعوا اليد التي امتدت لغريق. اشكروا الله على نعمه فإن النعم لا تدوم!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠٧) صفحة (٨) بتاريخ (٠٦-٠٨-٢٠١٦)