هل يُعد هذا التدفق الكبير من السياح في فصل الصيف إلى المناطق السياحية (الطائف، الباحة، النماص، أبها) مؤشراً حقيقياً لنجاح السياحة الداخلية؟ وهل الطبيعة الآسِرة والمناخ اللطيف كافيان لأن تستمر تلك المواقع في استقطاب الزوار والسياح؟ وهل السياحة تعني الاستجمام وتغيير المكان فقط؟ أم لها دلالات أخرى أوسع وأعمق؟ وهل تلك البرامج السياحية والترويجية والمهرجانات أدت غرضها في إقناع السائح بجدارة زيارة تلك المناطق؟ لتكون ذات أولوية في السياحة. وهل حققت السياحة الداخلية كعباً عالياً مقارنة بالسياحة الخارجية؟ حيث إن بعض الدول تستقطب ملايين السياح في العام الواحد، ثمة أسئلة تطفح على السطح مع إطلالة الصيف، وتتزامن مع التدفق المذهل من المسافرين من خلال مطاراتنا الدولية نحو بلدان العالم وعلى كافة الاتجاهات، وبحسب الإحصائيات الرقمية نلحظ تفوق كفة نسبة المغادرين من السعوديين، وهنا تتشظى أسئلة حادة إلى متى تستمر؟ وهل يأتي يوم تكون فيه بوصلة السائح السعودي نحو مناطق المملكة؟ سواء في الصيف أو الشتاء، والأكثر إيلاماً أن كثيراً من مكاتب ووكالات السفر التي تنتشر في مدننا تروج -باحتراف- للسياحة الخارجية، وترتب البرامج السياحية كالحجوزات في الفنادق وتذاكر السفر والمواقع المَزُورة، وكأن مهمتها تحريك بوصلة السفر إلى الخارج، فيما لا تحظى مواقعنا السياحية الكثيرة بربع ذلك الاهتمام، وكأن الباحة والطائف وأبها في ركن قصي من العالم، ولمّا كانت المملكة واسعة الأرجاء متنوعة المناخ متعددة الظروف الطبيعية والنباتية والتراثية والثقافية، فإن الاستثمار الحقيقي لها ما زال دون المستوى المطلوب، بل لم يتجاوز العتبة الأولى، رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها هيئة السياحة والآثار بقيادة الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، المشكلة فيما يبدو تكمن في جوانب عديدة أبرزها ضعف تفاعل رجال المال والأعمال في الاستثمار السياحي داخل الوطن رغم عشرات اللقاءات والندوات والمؤتمرات، حيث إن غالبية التوصيات تدعو إلى التفات هؤلاء من أجل النهوض بالسياحة باعتبارها أحد أهم موارد الدخل، ورغم كل ذلك ما زال صنبور المال شحيحاً عن مشاركة فعلية لمشاريع مثالية عدا بعض المشاريع القليلة التي تُحسب لأصحابها، وحين نأخذ نموذجاً واحداً (منطقة الباحة) تلك المنطقة الصغيرة جغرافياً، الثرية طبيعياً وسياحياً وتراثياً ومناخياً ما زالت في معظم أرجائها بكراً، وكأن غابات الزرائب ورغدان والمندق وبالشهم والشكران وغيرها تهمس بصوت مبحوح من يبادر في وضع مساحيق الجمال على وجناتها؟ من يعلق على هاماتها أكاليل الورد الزاهية؟ من يطلب ودها؟ فغابة مثل غابة الزرائب في زهران مكان مثالي لإقامة عشرات المشاريع السياحية الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ويمكن استثمار التدرج والانكسارات والأخاديد الطبوغرافية في إنشاء عربات معلقة ومطاعم ومقاهٍ وخدمات سياحية في غاية الجمال، ويمكن إقامة ممرات زجاجية في المنطقة الانحدارية المحاذية لمتنزه رغدان، ولا يمنع من الاستفادة من تجارب الدول الناهضة في جانب السياحة، ونقلها بما يتواءم والظروف الجغرافية والسكانية، ولا ندري ما سبب العزوف الواضح من بعض رجال الأعمال عن المشاركة في إقامة مشاريع سياحية، من أجل ترجيح كفة السياحة الداخلية عن الخارجية، أو على الأقل تحقيق التوازن بينهما، الذي أتمناه تكريم رجال الأعمال المساهمين والمبادرين في إقامة مثل هذه المشاريع، ويكون ذلك في المحافل على مستوى الوطن، والإشادة بجهودهم، أما المتقاعسون الذين يبخلون بضخ شيء مما منحهم الله واستفادوا من خيرات الوطن فسيكونون في بؤرة النقد.
السياحة ذراع اقتصادية تدر الأموال متى تضافرت الجهود بين المواطنين والدولة بوصف السياحة صناعة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات، فهل نسمع ما يثلج الصدر؟ من أصحاب الأموال، أمنية ننتظر أن تتحقق عمّا قريب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٠٩) صفحة (٧) بتاريخ (٠٨-٠٨-٢٠١٦)