عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

ذات يوم بعد عناء طويل نفسيّ وبدنيّ أتيت لمنزلي في وقت المساء بعد ما أرخى الليل سدوله، فاحتسيت كوباَ من الشاي، ثم أدرت مفتاح التلفاز لعلي أقع على ما يريح أعصابي المنهكة، فأخذت أقلب قنوات التلفاز، وأتنقل من قناة إلى أخرى فرأيت العجب أن كل قناة أقع عليها إذا بي أشاهد الأشلاء والأموات والنساء اللاتي ينتحبن والشيوخ الذين يبكون وعيون الأطفال تنهمر منها الدموع الحرى، وأخذت بعيداً أفكر في أحوال أمتي كيف وصلت إلى ما وصلت إليه من هذا التمزق والتردي!! وأخيراً هداني عقلي إلى أن المسؤولية عن هذا التردي الذريع هي مسؤولية مشتركة ليس يُرمى بها جهة دون جهة.. وفكرت كيف المخرج من هذا المأزق الذي أحزنني وأقض مضجعي ولا أشك لحظة واحدة من أنه يقض مضجع كل غيور. وإذا بفكري يذهب بعيداً فطفقت أطرح على نفسي السؤال تلو السؤال هل ما نحن فيه كان محض مؤامرة على أمتي من قبل أعدائها أم نحن الذين صنعنا واقعنا المرير هذا بأيدينا؟ وأعتقد جازماً أنها الثانية، فلا يمسح دموعنا سوى أيدينا، يا أمتي إذا كنتم في مأزق فإن الخروج منه لن يكون إلا عبر دينكم وليس معه شيء آخر فيذكر. إن العودة الصادقة إلى أحضان هذا الدين بها الحل المتكامل والشامل على جميع الأصعدة. إن الأمة لو ولجت في أحضان هذا الدين القويم لا أظنها تعيش لحظة واحدة إلا والأمن والسلام والاستقرار ترفرف أعلامه على مشارقها ومغاربها، ولكن ببعد هذه الأمة عن دينها وصلت إلى ما وصلت إليه من التبعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والانهزام النفسي وهلم جراء.. وما هذا الرهق الذي تعيشه أمتي إلا بتنصلها عن هذا الدين الذي به سلامتها، فإن ارتأت العزة فبه وإن تاقت إلى الأمن فبه، وإن أرادت لقمة سائغة فعن طريقه. إن الأمة اليوم طوحت بهذا الدين بعيداً فمنيت بهذا الانحدار الفكري والتمزق الذي جعلنا متناحرين هذا يبطش بذاك وهذا يتربص بذاك، إني لا أعلم لأمتي من مخرج من أزماتها سوى بالتمسك بأطناب هذا الدين الذي هو الملاذ الوحيد من تبعات مشكلاتها المختلفة. إنه بدينكم هذا صلاح أمركم ظاهره وباطنه. يا أمتي هبوا من سباتكم وفتشوا في هذا الدين لتبلسموا جراحكم ولتخرجوا من مآزقكم المنظورة وغير المنظورة، فلن يكون هذا لكم إلا عبر بوابة هذا الدين الفسيحة.. أمتي قد ساد أسلافكم به وعمروا الأرض مجداً وحضارة فكان لهم قدح سبق ونالوا القدح المعلا وذلك عبر منظومة قيم ومبادئ جعلت العالم في السابق ينظرون إليهم نظرة إعزاز وإكبار. وإذا ما أردنا أن نكون كما كانوا فخليق بنا أن نتشبث بهذا الدين، فمن جلس على مائدته اليانعة نال المجد والسؤدد. يا أمتي تعالوا لهذا الدين بصدور منشرحة وتساموا فيه ولكن من نزل على هذا الدين فلن يؤتى أكله إلا إذا أخذناه بقوة وجلسنا على موائده ومضامينه عبر تفكر في نصوص هذا الدين التي تحمي جناب عطاءاتكم الحضارية ماديها ومعنويها. إن الأمة اليوم تدلف إلى هذا الدين وتقترب منه ولكن هذا القرب قرب مادي لا معنوي! إن هذا الدين لن ننال منه إلا بالقرب المعنوي. وإلا كان علينا حسرة. أمتي لئن شرقتم أو غربتم لن تجدوا عاصماً من تبعات أزماتكم المختلفة إلا بجوهر هذا الدين.. يا أمتي إذا كان الله قد أناط بكم المسؤولية بإصلاح البشرية جمعاء فكيف بإصلاح أمركم أنتم؟ يا أمتي إنه بصلاح شبابكم الذين هم نصف حاضركم وكل مستقبلكم فأصلحوا شبابكم وإن إصلاح الشباب يجب أن ينبري له العلماء والمفكرون ومن يصعد منابر هذه الأمة، أمتي إن شبابكم قد خيبوا آمالكم فما من نشاز أو نزق إلا ركبوا صهوته فاسبقوهم في إصلاح أمرهم فلن يكون الشباب في هذه الأمة معامل بناء إلا إذا صلح أمرهم، وإن صلاح أمرهم يجب أن يبدأ وهم على مقاعد الدرس، وإني على يقين أن من صلح أمره في أول عمره صلح في آخره.. يا أمتي إن شبابنا اليوم قد نلنا منهم رهقاً ونزقاً كل هذا وذاك بسبب نقص في فهم مضامين هذا الدين! ولو فهم الشباب هذا الدين فهماً عميقاً لأفضى بهم أن يكونوا عوناً لأمتهم في حصد الأماني والآمال. ولكنهم أصبحوا اليوم مصدر ندامة وحسرة تتجرع الأمة غصصها من هول ما مارسه هؤلاء الشباب تجديفاً وهرطقة في مضامينه. إن كل انحراف مُني به الشباب كان سببه بعد الأمة عن شبابها وانكفاؤها على ملذاتها. وهنا شيء لا بد من ذكره وهو إذا كنا في صدد إفهام الشباب أمور دينهم فلا بد أن نغترف هذا الفهم عبر مصادر الدين الرئيسة، لا عبر اجتهادات بشرية تخطئ وتصيب. إنه لزامٌ علينا أن نتوكأ على مصادر الدين الرئيسة وإلا ضلت الأمة وأضلت. أمتي / لن تُلبسوا شبابكم حلة هذا الدين القويم إلا عبر مشكاته لا عبر تلك الاجتهادات التي لن تصمد أمام نوازل الزمان والمكان والله يحفظكم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٠) صفحة (٨) بتاريخ (٠٩-٠٨-٢٠١٦)