لا أحد ينكر ما لوسائل التواصل الحديثة من فضل في تقارب الكون بأكمله، بل في نقل أخباره الصغيرة من مكان إلى مكان، ولا فضلها في سرعة انتقال المعلومة، بغض النظر عن فائدتها، ولا فضلها في تواصل الناس وتحاورهم، بغض النظر عن طبيعة الحوار وفائدته.
ولا أحد ينكر ما فعلته في المجتمعات من تغيير سريع في قيمها ومفاهيمها، وأيديولوجياتها، وثقافاتها، بل وحتى في أخلاقها، وصولا إلى استمراء الناس ألفاظَ الشتم والعيب وتداولها دون أدنى غضاضة.
الحسابات الوهمية والأسماء الوهمية، والأقنعة المختلفة، وانتحال الشخصيات كلها بفضل تلك الوسائل، بل إن بعض الناس وصل إلى مرحلة لا يميز فيها بين ما يصله عبر تلك الوسائل، ولا يستطيع أن يرد بالطبع على كل شاردة وواردة.
لنكون أكثر إنصافا فلا بد لنا أن نعترف بأنها استطاعت أن تجعل المواطن صحفياً، ومراقب مشاريع، ومذيعاً، وقانونياً، ومرشداً، وخبيراً في أكثر من مجال، بالإضافة إلى فتح باب «المهايطات» العنصرية، ونشر العادات بأنواعها.
المشكلة الكبرى، التي تطفو على السطح، هذه الأيام، هي انتهاج بعض مستخدمي تلك الوسائل سلوك الأعرابي، الذي بال في بئر زمزم أمام جمع من الحجاج، ولا شك في معرفتكم القصة، وعندما أحضروه إلى الوالي وسأله عن فِعلته الشنيعة أجابه بقوله: «حتى يعرفني الناس، يقولون: هذا فلان الذي بال في بئر زمزم».
هذه الوسائل أيها السادة لم تكن يوماً للشتائم، ولا لشهرة الأعرابي القبيحة، التي كانت من أحطّ الأبواب وأسفلها، ولا للسخافات، إنها للفائدة العلمية، وللمناقشات الحضارية من أجل الحصول على فائدة، أو من أجل الوصول إلى حل لمشكلة طارئة، أو من أجل الاستفادة من تجارب الآخرين.
واعلموا أنكم ستحاسبون يوماً عمّا كنتم تكتبون!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٠) صفحة (٦) بتاريخ (٠٩-٠٨-٢٠١٦)