إن البشرية مهما اختلفت مشاربها لن تسعد إلا بهدي هذا الكتاب وما جاء به، فما أكثر صواب من اتبعه وما أكثر خطأ من تنكَّب هديه

عبدالعزيز محمد الروضان

عبدالعزيز محمد الروضان

يقول الله تعالى في وحيه الطاهر (قل إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى…)، ويردف الله هذا النص بنص آخر هو قوله تعالى (قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّه)، من خلال هذين النصين المؤكدين بأسلوبين مختلفين يتبيَّن لنا أنه لا هدى في هذه الحياة مهما شرَّقنا أو غرَّبنا مثل هُدى الله.. والهدى في هذين النصين هما هدى لجلب خيرَي الدنيا والآخرة.. وقد ورد في كتاب الله نص يبيِّن ذلك، قال الله تعالى (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)، إذاً لِتعلم البشرية جمعاء أن ما نزل من عند الله هو الدليل القاطع لهدي البشرية من أن تقع في الضلال في الحياة الدنيا، ناهيكم عن عدم الوقوع في الضلال من أجل الآخرة. إذاً هدى الله هو بمنزلة المنقذ في الدنيا والآخرة ولا غيره يكون كذلك.. فخليق بالبشرية جمعاء أن تتمسك بأطناب هذا الهدى ولا تفلت منه ولو للحظة واحدة. إن كثيراً من الناس يعتقدون أن وحي السماء لأهل الأرض لم يأتِ إلا من أجل النجاة في الآخرة ! كلا كما قلت سابقاً إن وحي السماء في كتاب الله العزيز هو طوق نجاة لأهل الأرض في حياتهم على ظهرها، وما من مجال من مجالات الحياة المختلفة إلا وتوجد في كتاب الله حلول لها، وأي حلول. ولكن أحياناً البشرية تغض الطرف عن ذلك إما لجهل وإما لعناد ! إن كتاب الله تعالى بنهجه تنقاد البشرية إلى ساحة نجاتها، والله تعالى يبيِّن لنا أن الذكر الحسن لمن تقفَّى آثار هذا الكتاب، قال تعالى (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).
إن البشرية مهما اختلفت مشاربها لن تسعد إلا بهدي هذا الكتاب وما جاء به، فما أكثر صواب من اتبعه وما أكثر خطأ من تنكَّب هديه ! ولكن لكي نقع على مكنونات هذا الكتاب ونستخرج درره لا بد علينا أن نتقرب إلى هذا الكتاب قرباً معنوياً مشفوعاً بالتفكير والتعمق في نصوصه وعصف الذهن من أجل ذلك. إن كتاب الله الذي في يد البشرية اليوم قد حوى خلاصة ما كان قبله من الكتب التي أُنزلت على رسل ماضين، فإذا كانت الكتب التي سبقت هذا الكتاب فيها هدى ونور كما بيّن الله تعالى في هذا الكتاب بكثير من آياته فكيف بهذا الكتاب الذي هو مهيمن على تلك الكتب التي سبقته؟ إذاً كتاب الله القرآن الكريم هو يختلف في الدرجة لا في النوع بالنسبة لهذه الكتب، فهذا الكتاب قد صدّق ما قبله من الكتب السماوية، بالإضافة إلى هيمنته عليها، قال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ…)، إذاً هيمنة كتاب الله القرآن الكريم هيمنة درجة لا هيمنة نوع، فإذا كان الأمر كذلك فحريٌّ بالبشرية أن تتشبث بهذا الكتاب، إذ لا حاجة للبشرية في أن تتشبث إلَّا بهذا الكتاب، وهذا الكتاب وصل اللاحق بالسابق، يقول الله تعالى [وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا]، إذاً يبيِّن الله تعالى أن من تمسَّك بالكتب التي سبقت هذا الكتاب صَعُبَ عليه أن يتخلى عنها، ولذا فهذا الكتاب جعل الثواب مضاعفاً لمن ينزل على هذا الكتاب القرآن الكريم. من هذا المنطلق فلْتعلمْ البشرية أن كتاب الله القرآن الكريم هو كتاب جامع مانع لما تحتاجه البشرية سواء في الدنيا أو الآخرة. والله تعالى حتّم على الناس أن تصل اللاحق بالسابق، قال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، وإذا كان الله تعالى قد أمرنا بأن نتشبث بالقرآن الكريم فإنه في نفس الوقت لم يُغفل ما في الكتب التي سبقته من هدى ونور. ويقول عن التوراة فيها هدى ونور، وكذلك يقول عن الإنجيل مثل ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، ولكن إن هدى ونور القرآن الكريم أنصع بياضاً وأهدى سبيلاً مِمَّا سبقه من الكتب. ولكن إذا كان الأمر كذلك فإن على الأمة التي نزل القرآن على لسانها مسؤولية مضاعفة لبيان هذا الكتاب للبشرية، قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون). إن البشرية إذا لم تأتِ فتنزل على هذا الكتاب فسوف تزداد رهقاً وضلالاً. وثمة شيء آخر هو أن البشرية إذا تنكَّبت طريق هذا الكتاب فلو أنها حققت قدم سبق في الجانب المادي فإنها سوف تزل أقدامها في جوانبها المعنوية إلى الحضيض. إن هذا الكتاب قبل أن يهدي إلى الجانب المادي فإنه هدى إلى الجانب المعنوي، فالحضارة المنبثقة من هدي هذا الكتاب هي حضارة محمي جنابها فلن تضل، وإلا كان للبشرية نزق في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية. وإن من تنكَّب طريق هذا الكتاب فإنه سوف يخسر في الدنيا خسارة لا يعقبها ربح، قال تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً)، فإذا كان هذا بالنسبة للحياة الدنيا فاسمعوا ماذا يقول عن خسارة الآخرة لمن لم يتَّبع هذا الكتاب، قال تعالى (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً) وليس بعد هذا التحذير من تحذير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٢) صفحة (٩) بتاريخ (١١-٠٨-٢٠١٦)