عبدالله العطيش

عبدالله العطيش

ألا ليت الشباب يعـــود يومــــاً.. فأخــبره بمـــا فعــل المـــشيب.
هل يقدِّر الإنسان أهمية مرحلة الشباب؟ قليلون يدركون قيمة هذه المرحلة، وقد لا تجد شخصاً واحداً يشعر بأهمية هذه الفرصة عندما يعيش فيها، أما بعد أن يفقد شبابه فسيندم حتماً على تفريطه وتقصيره في تلك المرحلة، فالطاقة والقوة من الصفات التي لا يتصف بها الإنسان إلا في فترة شبابه، تلك الفترة الندية الرطبة المملوءة بالحيوية، كما أن الذين يخسرون شبابهم دون أن يقدموا شيئاً لا يدركون عمق الجريمة التي ارتكبوها في حق أنفسهم إلا بعد أن يدق ناقوس الشيخوخة في حياتهم، عندئذ فقط ينتبهون لواقعهم المؤلم: ذهب الشباب إلى غير رجعة، وذهبت معه القوة والحيوية، وجاءت الشيخوخة التعيسة، ومعها الضعف والضجر والهوان.
نلاحظ دائماً أن تراجع قدرات الإنسان يبدأ ببدء الوهن في النيل من جسمه، وظهور علامات الشيخوخة وآثار الضعف واضحة عليه، كما أن الكفاءة الذهنية هي الأخرى تبدأ في النكوص، خصوصاً القدرة على التذكر، وعلى تعلم واكتساب مهارات جديدة، كما يلاحظ تراجع سرعة ودقة إنجاز المهام، بالإضافة إلى تأثر بعض مهامه بذلك مثل «المهام الزوجية» التي تقل، أو تندر، أو تنعدم تماماً، خاصة إذا أصاب الإنسان مرض شكَّل عائقاً أمامه، وعلى الرغم مما تسببه الشيخوخة للإنسان إلا أن هناك كثيرين يعتبرون الشيخوخة زهرة العمر، لأنها أكثر مرحلة في حياة الإنسان اتصافاً بالنضج، وامتلاءً بالعمل، وتحقيقاً للنجاحات، ما يجعلها تنال إعجاب الشباب وتقديرهم.
ما دفعني لطرح هذا الموضوع هو ضرورة التنبيه إلى أهمية استغلال فترة الشباب قبل أن يدبَّ الوهن في الجسم، وتحل الشيخوخة ضيفاً ثقيلاً على الإنسان، فقد تحدثت يوماً إلى أحد أصدقائي وأبناء عمومتي، ويدعى فرحان عويض العريفي السبيعي، عن الزواج، ولكنه قال لي كلمات وقفت أمامها صامتاً أحاول أن أعي ما أراده، وما قصده من ذلك، حيث قال: «شانت عقب ما زانت وزانت عقب ما شانت». ودفعني فضولي ورغبتي في تفسير تلك الكلمات البسيطة التي عبرت بكل حرف منها عن أهمية مرحلة الشباب إلى أن أبحث عما يقصده بقوله هذا، خصوصاً أنه استطرد قائلاً: «قد دب الوهن في الجسد بعد أن زانت الحياة، وكثر المال، وحل المرض، والشيخوخة ضيفين على الجسد». هنا شعرت به وكأنه يريد أن يقول:
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب.
أخيراً، إذا فات عمرك وتقدمت في السن فقد تندم على كثير مما فعلته أو لم تفعله في الماضي، وهنا أود أن أقول إن الدنيا لم تكتمل لأحد، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه، ولكن علينا اقتناص هذه الفرصة «مرحلة الشباب». فلنغتنم الفراغ قبل أن تداهمنا «الشواغل»، وتشغلنا «صوارف الأيام»، ولنغتنم الصحة قبل أن يأتي المرض، ولنعمل للمستقبل بدلاً من انتظار الغد لنبدأ حياتنا. اغتنم الفرص جيداً قبل أن يأتي اليوم الذي تحدث فيه حالك، وتقول يا ليتني فعلت كذا، وتضرب كفَّيكَ ببعضهما مصدراً «لحن الآهات» على ما فاتك! ولكن بعد ماذا، بعد فوات الأوان.
همسة: «عند الدعكة تخرب الكعكة».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٢) صفحة (٨) بتاريخ (١١-٠٨-٢٠١٦)