محمد الفلاج

محمد الفلاج

مر التاريخ بين أيدينا ومن تحت أعيننا مرور الكرام، كأنهُ أرقام نقرأها لنعرف الغد وبعد الغد فقط، لمعرفة موعد أو الحصول على الراتب، مناسبة أخرى عامة وخاصة دائما نظرنا وفكرنا للغد، كأن هذا التاريخ وجد هكذا، إن التاريخ يحمل الماضي منذ ميلاد الأنبياء وما بعدهم وما قبلهم، سنون تتوارى في مثل هذا اليوم، ربما سنعرف أن هناك حدثا جللا حصل كوفاة نبي أو مولد عالم إلخ… إن من المنطق والعرفان لهذا العقل أن يعرف تاريخ مولده حين ولد للمرة الأولى، والمرة الثانية حينما اكتشف أن هذا العالم ربما يكون أكبر صدمة قابلته وهو يفكر كيف اكتشفه. من يقرأ التاريخ ومعرفة العظماء الذين خلدهم التاريخ سيجد أن التاريخ له وقفات مع العلماء العظماء الذين غيروا من وجهه، وتحويل ذلك اليوم ليوم خالد بين الميلاد والاكتشاف والوفاة، حدث اكتشاف سيبقى أبد الدهر معلقاً بذاكرة الزمن، محفوظاً في كتب التاريخ تُدرس كل يوم حتى تقوم الساعة، إنهم يولدون من جديد، بل إن تلك الأيام وما خُلد من أيام أُخر تلتها أو سبقتها منحتنا الفرصة العظيمة لمعرفة الفرق بين أيام التاريخ ومستوى الاختلاف الذي حصل ممن غيّروا منه، ليس بتغيير الأرقام بل في التقدم والرقي في مختلف العلوم والمعارف خاصة التي خدمت البشرية، مثل علوم الطبيعة والعلوم الاجتماعية والفيزياء وعلوم الفضاء والطب والهندسة والرياضيات إلخ… وهي تتصاعد حتى وصل العالم الغربي إلى هذا المستوى، الذي فاق ما كان بالأمس عبارة عن مستحيل أن يكون، فأصبح اليوم واقعاً نعيشه وهو أشبه بالخيال أو الحلم بالنسبة لنا نحن، ممن لا يهتم إلا بالقصائد والشيلات والحشو الفكري المذهبي أو التيارات الفضفاضة، التي أصابتنا بالتعاسة والحسرة والندم، كأننا لم نخلق ولم نذق من العيش شيئا. إن هذا الزمن يسبق مولدنا أكثر من مرة بسبب وقوف فكرنا على الماضي وتصويره بشكل درامي على هيئة كلمات ومفردات تعجيزية صورته لنا فوق كل تصوراتنا وأبعدتنا سنوات ضوئية، كأن هذه التقنية الحديثة لم تكن والجماليات وألوان الحياة شُكلت من ألوان إلا أكثر من تلك التي عرفناها قديما بريشة أشبه بالخرافة ومع هذا مازلنا على عهدنا القديم البائد، بعضها لا يحمل أي صفة دينية أو منطقية، بل هي عبارة عن أفعال حدثت ليس بإرادة منهم ودون فكر أو حب إكتساب معرفة واكتشاف علم بقدر ما، كانت عبارة عن أحداث مريرة موجعة بين تشرد وقتل وجوع ولد منها أبطال ومكاسب، اليوم لم تتجاوز أن تكون موروثات معنوية لا مادية وقيلت فيها قصائد، أي أنها فوق سفوح الرمال لا أثر لها عدا ذاكرة البشر أو بعض من كتب لا توضع في مكتبة جامعة أو مدرسة، تعلم منها شبابنا على العنتريات حينما حولت ونُقلت إلينا وزرعت في قلوب بعض منا.
السؤال لماذا نحن لا نتعلم كما بقية البشر ونتطور، بالرغم أن ديننا أول من حث على العلم والاهتمام به؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٤) صفحة (٩) بتاريخ (١٣-٠٨-٢٠١٦)