سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

ليس عليك أن تكون متابعاً للرياضة هذه الأيام حتى تصلك نتائج المشاركات العربية في الأولمبياد، فهي ستغزو فضاءك الإلكتروني لا محالة على شكل طرائف تتندَّر على ترنُّح الأغلبية في المراكز الأخيرة، وذلك من باب الضحك على خيباتنا التي لا نهاية لها طبعاً. الفيديوات والصور ستذهلك وتصدمك أيضاً، حيث يظهر تأخر المشارك العربي عن نهاية السباق بأعوام ضوئية طويلة، والأدهى والأمر أن يرفع علمك العربي مشارك فائز هو في الحقيقة بطل مستورد جاهز.
لست هنا في جلسة جلدٍ للذات، أو انتقاصٍ من القدرات الجسمانية لمواطنينا كما قد تظنون، بل على العكس تماماً، أنا أرفض بشدة ما قد يتوارد إلى أذهان بعضهم بأننا، واستناداً إلى هذه النتائج، شعوب عاجزة عن إنجاب الأبطال، فالحقيقة أننا جينياً وعرقياً قادرون مثل غيرنا تماماً على تحقيق الإنجازات، لكنَّ الأسبابَ التي تعيقنا عن الوصول إلى المنصات، وتقلُّد الذهب، بعيدةٌ جداً عن جيناتنا.
هنا، بصفتي زوجة بطل رياضي له مشاركات عالمية مشرِّفة، سأدعي أنني أتحدث وفق تجربة معاشة، لا نظريات أو فرضيات فارغة. في إمكاني أن ألخِّص ما يعيق رياضيينا عن التقدم في ثلاثة أسباب رئيسة هي: السبب الأول: ثقافة المجتمع التي أتمنى أن تكون في طور التغيير الآن، لكنها ولعهد قريب لم تكن قادرة على أن تنمِّي الروح الرياضية لناشئتنا، فثقافتنا السائدة ترى الرياضة ممارسةً لهوايةٍ تضيِّع الوقت لا أكثر، فلا يبدأ الرياضي في التدرب الجاد إلا في عمر متأخر نسبياً بعد أن يتمكن من تحدي محيطه الأسري والمجتمعي المثبط، فيصل إلى أندية احترافية نسبياً، تفتقر إلى المدربين المهرة، أما الثاني فهو عدم استيرادنا مدربين محترفين، والاستثمار في أبنائنا بدلاً من استيراد لاعبين محترفين، والثالث أن الرياضي العربي، باستثناء لاعب كرة القدم، وبعض الألعاب الجماعية الأخرى، هو لاعب عصامي لم يتوفر له في أكثر الحالات أي دعم مادي رسمي ما يعني أنه ليس في استطاعته التفرغ للتدريب، وحضور المعسكرات، أو الوصول إلى المشاركات الدولية المختلفة التي تؤهله وتعده لخوض منافسات «شرسة» على مستوى الأولمبياد مثلاً، بل يرزح الرياضي الطموح تحت ثقل نفقات الرياضة من أجور مدربين وأندية ومعدات وأغذية صحية خاصة، ناهيك عن «مصاريف الحياة الأساسية»، ففي كثير من الحالات، وأخص بذلك لاعبي ألعاب القوى في دول عربية مختلفة، نجد أسماء لامعة تعود إلى طبقات اجتماعية فقيرة نسبياً، بل وربما قام عدد منهم بصناعة أدوات التدريب الخاصة بهم بأنفسهم.
لكي تصنع بطلاً عالمياً حقيقياً عليك أن تعده وترويه وتمنحه الوقت وتوفر له البيئة المناسبة، لا أن ترسل المتوفر لديك ثم تطأطئ رأسك كلما خسر. أليس الأجدر بدل تضييع الوقت في تأليف تلك النكات أن ننشئ صناديق مجتمعية لدعم الرياضيين!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٤) صفحة (٨) بتاريخ (١٣-٠٨-٢٠١٦)