أعرف تماماً أن رجال المال والأعمال يضعون ألف حساب وحساب حين يرغبون في إقامة مشاريعهم، ويتأنون كثيرا لكل خطوة يخطونها في جانب الاستثمار، ولا يجازفون أبداً بل يعتمدون على دراسات مستفيضة كي يتخذوا قراراتهم، ولولا هذا التأني لما أضحوا رجال أعمال يشار إليهم بالبنان، وحين أشرت في مقالتي الأسبوع الفائت ودعوتهم للمشاركة الفاعلة في إقامة مشاريع تخدم الوطن أولاً، والسياحة ثانياً، وقلت بأن المناطق السياحية تطلب ودهم، فإن ذلك من منطلق العشم الكبير في كونهم بحاجة لوطنهم ومن واجبهم خدمته، بحسب قدراتهم وإمكاناتهم المالية، والوطن بلا ريب يحتاجهم لإقامة المشاريع التي يعود نفعها على الجميع، ولمّا كانت وستظل السياحة إحد ى أذرع الاقتصاد الوطني، وبيئة خصبة للاستثمارات الكبيرة، وكي تنمو وتزدهر يتوجب النهوض بها ولا يتأتى ذلك إلا من خلال المشاريع السياحية، الذي يدور في خلد رجال الأعمال بحسب الهمس الذي يدور في مجالسهم بأن ثمة صعوبات تعترضهم، ولا أدري هل – بالفعل – هناك معاناة؟ وإذا كان كذلك لم لا يفصحون عما يجيش في خواطرهم من منطلق الشفافية، وفي الوقت نفسه هل الإدارات الخدمية أعلنت بوضوح عن خدماتها وتسهيلاتها؟ كتوفير الأراضي المناسبة وبأجور طويلة المدى، علماً أن إمارة منطقة الباحة وفرت مكتب «خدمات المستثمرين» لتقديم الخدمة لكل طارق يرغب في الاستثمار على ثرى المنطقة، وهي خطوة محمودة تُسجل للإمارة، وزيادة على ذلك وعد سمو أمير منطقة الباحة الأمير مشاري بن سعود بأن يضع منطقة الباحة سراتها وتهامتها وباديتها أمام المستثمرين وتذليل الصعوبات وإيجاد البنية التحتية التي تعينهم على إقامة مشاريعهم، وكشف وكيل الإمارة الدكتور حامد الشمري عن توفر 70 فرصة استثمارية مختلفة تسهم في النهوض بالمنطقة اقتصاديا وسياحيا وحضارياً، مشيراً إلى أن الباحة من المناطق البكر التي تتمتع بمميزات طبيعية ومناخية وتاريخية، حيث إنها تتميز بعناصر الجذب الاستثماري مما يؤهلها لأن تكون منطقة اقتصادية محورية على مستوى المملكة، ولمّا كان المنتدى الاقتصادي الذي عقد في الباحة قبيل فترة قدّم أوراق عمل جيدة وألمح عن فرص استثمارية مناسبة في مجال الخدمات السياحية والمراكز التجارية والفنادق والخدمات الصحية وإقامة المصانع لإنتاج الرخام والجرانيت فضلا عن الاستثمار الزراعي والترفيهي. فالمأمول معرفة أسباب عزوف رجال الأعمال دون المبادرة في الاستفادة من تلك الفرص، وهل لديهم مبررات منطقية في تراجعهم؟ ومن المشاريع التي يتطلع لها السياح والأهالي تنفيذ مشروع العربات الهوائية المعلقة، بدءا من قمة جبل بهول مرورا بمحطة أولية في غابة رغدان لتصل إلى جبل مهران على مقربة من الموتيل وانحدارا إلى قرية ذي عين التراثية، هذا واحد من المشاريع الذي سيضيف إلى رصيد السياحة في الباحة في حالة تنفيذه، مع توفير الخدمات التي يتطلبها المشروع من ملاه ومطاعم ومقاه وغيرها، وميزة هذه العربات استمرارية تدفق الزوار والسياح على مدار العام صيفا وشتاء، فحين تنخفض درجة الحرارة في أعالي السراة يمكن هبوط الزائرين إلى تهامة والاستمتاع بجوها الدافئ والتجول في أوديتها الخضراء، والعكس في فصل الصيف، وهذا يتوافق في كون منطقة الباحة تصلح للسياحة على مدار العام. بحكم تنوع التكوين الطبيعي بين جبال وسهول، هذا نموذج واحد لمشروع يتطلع الأهالي لتنفيذه، وهناك عشرات المشاريع الأخرى، فقط تحتاج إلى تضافر الجهود سواء بدعم حكومي مع مشاركة فاعلة من رجال الأعمال.
انعطافة أخيرة: شكراً للذين داخلوا على المقالة السابقة «من يطلب ود المناطق السياحية؟»، واتفق مع القارئ عبدالله في الجانب الذي أشار فيه بضرورة السماح ببناء أدوار متعددة لإقامة فنادق ومساكن للإيواء، والانفكاك من قيود الأنظمة في هذا الصدد. وللمداخلين الآخرين غرم الله قليل ومحمد آل سفر وعبدالله مكني الشكر فيما طرحوه من آراء عن السياحة الداخلية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٦) صفحة (٩) بتاريخ (١٥-٠٨-٢٠١٦)