ميثم المعلم

ميثم المعلم

بعض الناس يصعب عليهم أن يكونوا موضوعين في جميع شؤونهم، لأنه يتطلب منهم أن يروا الأمور كما هي عليه، دون تحيُّز، أو هوى، أو مصلحة، وهذا يعتبر عندهم من المستحيل عملياً.
وهؤلاء الناس قد اعتادوا أن ينظروا إلى القضايا الحياتية والأحداث والأفراد من خلال مشاعرهم وانفعالاتهم ومصالحهم الشخصية، وذلك بسبب تصوراتهم التي تشكلت لديهم من خلال مفاهيمهم الفكرية والتربوية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
والإنسان الذي ينطلق من أهوائه النفسية، وعواطفه البعيدة عن العقل، ومصالحه الشخصية الأنانية، يقع في ظلم الآخرين بقصد أو دون قصد، مما يؤدي إلى انتهاك حقوق الناس والتعدي على كراماتهم، لأنه ينطلق من تحيزه الاجتماعي أو الفكري في تعامله مع الأشخاص والأحداث، وبالتالي يفقد كثيراً من الموضوعية التي تقوم على المنطق والعقل.
إن هناك ممن لا يحب أن يتحدث عن الموضوعية في النظرة إلى الأشخاص والأحداث، لأنها لا تنسجم مع آرائه، وأفكاره، ومواقفه، ورغباته، وأمنياته، وتفضحه أمام وجدانه وضميره، وتضر بمصالحه الشخصية التي اكتسبها بسبب الظلم الفكري، والتعصب الفئوي، والتحيز الاجتماعي.
ولنضرب مثالاً على عدم الموضوعية التي تتغلب فيها العواطف والأهواء على العقل والمنطق، وذلك عندما تقرأ كثيراً من التعليقات في «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب» عن تقييم حدث ما، أو شخص معين، أو فكرة محددة، يفجعك حجم الذاتية الظالمة البعيدة كل البعد عن العدل والإنصاف، والتقوى والورع، والأمانة والنزاهة، والتجرد في الرأي، والحيادية في الموقف، وذكر الحقيقة كما هي.
هل أنت موضوعي في تعليقاتك بوسائل التواصل الاجتماعي؟ هل أنت موضوعي في تعاملك مع الأشخاص المختلفين معك؟ وهل أنت دائم الموضوعية أم غالباً أم أحياناً؟ وفي أي مجال تكون موضوعياً في الجانب الاجتماعي أم الاقتصادي أم الثقافي أم الرياضي أم الإعلامي؟ وهل تفضل الوسائل الإعلامية التي تمتلك قدراً كبيراً من الموضوعية؟
كل إنسان هو الذي يجيب على هذه الأسئلة بنفسه، وكلما كانت إجابته دقيقة وصادقة، امتلك قدراً كبيراً من الموضوعية والإنصاف والعدالة.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) سورة المائدة.
إن الموضوعية هي أن ترى الأشياء والأمور والأحداث كما هي عليه، دون تحيز، أو هوى، أو مصلحة، أو تهويل، أو مبالغة، أو زيادة، أو نقصان، وفق الالتزام بالقيم الأخلاقية الإسلامية، والمبادئ السامية، والقواعد العقلية والعلمية.
إن المجتمعات التي تتخذ من الموضوعية منهجاً لها في جميع مجالاتها، تنخفض فيها المشكلات والتوترات بمختلف أشكالها، ويسود فيها التسامح الديني والفكري والاجتماعي بين أفرادها، وتتطور علمياً ومعرفياً بشكل كبير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧١٦) صفحة (٨) بتاريخ (١٥-٠٨-٢٠١٦)