عبداللطيف السماعيل

عبداللطيف السماعيل

ما بين مظاهر الفرح في أوساط المستهلكين، ومظاهر السخط التي غلبت على ردود أفعال التجار، في معرض تفاعل الفريقين مع قرار وزارة البيئة والمياه والزراعة القاضي بفتح المجال لاستيراد المواشي من الخارج والعمل على تحديد أسعارها، أحاول في هذه المقالة أن أنظر للموضوع من منظور توافقي ومن أبعاد مختلفة.
القضية باختصار، هي أن الدولة فرضت قيوداً على استيراد المواشي، ما مكّن التجار المحليين من السيطرة على السوق لفترات طويلة ومن ثم احتكاره حتى ارتفعت الأسعار بشكل أرهق المستهلك واستغل حاجته الملحة للشراء. حجتهم في ذلك – أي التجار- أن آلية السوق هي التي تحدد الأسعار، وأن ارتفاعها ما هو إلا نتيجة لزيادة الطلب على المواشي. متجاهلين أن احتكارهم للسلعة أبطل ديناميكية السوق «عرض مقابل طلب» وساهم في انخفاض العرض رغم زيادة الطلب، ما يعني في النهاية ارتفاعاً في الأسعار مبالغاً فيه!
العنصر الآخر في القضية هو المستهلك، الذي فرح بقرار فتح الاستيراد من الخارج وبقرار تحديد أسعار المواشي؛ كون هذه القرارات تعني انفتاح سوق المواشي وزيادة المنافسة فيه وبالتالي تعدد الخيارات وإمكانية التفضيل بينها مع انخفاض أسعارها. حجته في ذلك – أي المستهلك- هي نفس حجة التجّار التي تقول إن آلية السوق «عرض مقابل طلب» هي الفيصل وهي السبب في فتح المجال أمام معروض أكثر يلبي الطلبات المتعددة ويحافظ على استقرار الأسعار، مما ينقض مطالبات التجار للدولة بتقييد الاستيراد.
في المقابل، يغفل المستهلك عن أن الانفتاح في الاستيراد له ما بعده، وهو دعم لفكرة الأسواق الحرة المفتوحة التي ستسمح للشركات الأجنبية بدخول الأسواق المحلية بقوة وربما السيطرة عليها. وذلك بإغراقها بمنتجات أكثر جودة وأرخص سعراً نظراً لتقدم الصناعة ووفرة الموارد وانخفاض تكاليف الإنتاج هناك. هذه الخطوة التي إن خدمت المستهلك «بصفته مستهلكاً» إلا أنها قد تضر به «بصفته منتجاً أو تاجراً»، وذلك لوجود منافسين أفضل منه في الإنتاج وأرخص منه في الأسعار أدخلتهم الأسواق المفتوحة إلى داره وشاركوه في حصته السوقية. ما يعني في النهاية احتكار هذه الشركات الأجنبية للسوق المحلي نظراً لغياب المنافس أو تراجعه. بل أبعد من ذلك، حتى إن سلّم المستهلك المحلي بترك الإنتاج لهذه الشركات، واكتفى بالعمل كموظف فيها، فإن انفتاح الأسواق والتجارة الحرة قد يفتح المجال للعمالة الأجنبية التي ستنافسه على الفرص الوظيفية في البلاد نظراً لانخفاض تكاليفها وارتفاع مهاراتها الإنتاجية ما يعني في النهاية ارتفاع معدلات البطالة.
إذن؛ السؤال القديم الجديد في هذه القضية هو، هل يجب على الدولة أن تتدخل في تنظيم الأسواق وتقييدها وفقاً لمبادئ المدرسة الكينزية في الاقتصاد، أو تفتح المجال لآلية السوق المفتوح وفقاً لمبادئ المدرسة الكلاسيكية؟
والأجابة هي أن الاقتصاد علم توازني يهدف إلى الاستفادة القصوى من الموارد وتلبية أكبر قدر من الاحتياجات والخروج بأقل الخسائر الإنتاجية مما يسهم في تحقيق الرفاه للمواطن «منتجاً ومستهلكاً» قدر الإمكان بلا ضرر ولا ضرار. لذا فعلى الدولة أن توازن وتؤدي وظيفتها ضمن آليات السوق وليس فوقها. وذلك كما تم بفتح الأسواق للواردات الأجنبية بشكل يدعم توفير احتياجات المستهلكين ويمنع احتكار القلة المحليين بل ويلزمهم بتخفيض هامش الأرباح ومن ثم تستقر الأسعار. في المقابل على الدولة وضع سياسات مالية وإجراءات اقتصادية، كتقديم الدعم للمنتج المحلي وفرض التعريفات الجمركية والضرائب على الواردات الأجنبية. وذلك ليحصل المنتج المحلي على ميزة نسبية «سعر أقل أو جودة أعلى» تمكنه من المنافسة وتمنحه حصة سوقية تضمن له البقاء، وكذلك تمنع إغراق الأسواق بالمنتجات الأجنبية التي ستؤدي إلى إخراج التجار المحليين من السوق ومن ثم ستؤدي إلى احتكار قلة جدد وارتفاع في معدلات البطالة كما أسلفنا.
أخيراً وليس آخراً، هناك توجه من الدولة لمنع زراعة الأعلاف في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات نظراً للهدر المائي الذي شكل استغلالاً سيئاً وتوجيهاً خاطئاً للموارد الاقتصادية. ما يعني بطلان فكرة تقديم الدعم الحكومي لتجار المواشي المحليين، وهذا ما قد يفسر فتح الأسواق وتقليص القيود. لذا ولحماية المنتِج المحلي وضمان عدم خسارته أو الإضرار به جراء هذه الإجراءات، ولضمان استمرار حصول المستهلكين على المواشي بأسعار منطقية تنسجم مع تكاليف الإنتاج وآليات السوق، يجب أن تتم إجراءات رفع القيود والانفتاح بشكل تدريجي يمنح التجار المحليين فرصة لتطوير النشاط أو تعديله أو تغييره، ويضمن لهم هامش ربح منطقيّاً في هذه الفترة يأخذ تكاليف الإنتاج بعين الاعتبار، كما يسهم في تسهيل الرقابة على عمليات الإغراق المتعمد.
بالإضافة إلى ما تقدم، يجب توفير البديل للتجار المحليين من خلال إيجاد سياسات تدعم الاستثمار في شراكات أجنبية بشكل يعزز الإنتاج ويضمن وجود الميزة التنافسية، وكذلك يضمن تحرك آلية السوق بشكل ديناميكي إذ لا مجال لإغراق يضر بالتجار المحليين أو احتكار يضر بالمستهلكين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢١) صفحة (٨) بتاريخ (٢٠-٠٨-٢٠١٦)