الحريّة الدينيّة هي شكل من أشكال الحريّة الفردية التي أقرتها الشريعة، وقد وردت نصوص وحوادث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تشير إلى مفهوم (الحريّة الفقهيّة) التي كان يمنحها للناس، فلم يتم إلزام الجميع برأي فقهي واحد في إشارة إلى سعة هذا الدين ومرونته ويسره «يريد الله بكم اليسر».
يروي لنا التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه بأن لا يصليّن أحدكم العصر إلا في بني قريظة، فعند ذهابهم قارب وقت العصر على الانتهاء، فبعضهم وقف للصلاة وبعضهم الآخر لم يصل حتى وصل لبني قريظة على قرب صلاة المغرب، وعندما رجعوا وأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لم يستنكر على من أخر الصلاة، وفي حادثة الحوت الذي أحضر بعض الصحابة شيئاً من لحمه؛ فشاركهم الرسول صلى الله عليه وسلم الأكل منه حتى يثبت لهم حلّ أكل لحم الميتة من حيوانات البحر، وفي حادثة أخرى أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة بأن «استفت قلبك وإن أفتاك الناس، والإثم ماحاك في نفسك» واضعاً بذلك معيارا مهما من معايير الاختيار الفقهي، وفي جانب آخر نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح أكل الضب ومع ذلك لم يأكله الرسول لأنه ليس من أرض قومه.
الحج هو ركن من أركان الإسلام، وإقامة شعائره من أساسيات الدين، ومع ذلك لا توجد صفة محددة وثابتة للمناسك، فكان الصحابة كلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر من أمور الحج قال لهم «افعل ولا حرج»، ميسراً ومسهلاً للناس هذا المنسك العظيم ولم يحجر على الناس أو يضيق عليهم، بل جعل لهم مساحة حرة في اختيار ما ينفعهم وفقاً لظروفهم وحاجتهم.
يشير علماء المسلمين إلى أن «لا إنكار في مسائل الخلاف»، ومن المعروف بأن المسائل الفقهية متعددة الآراء والأقوال وفقاً لفهم الأدلة أو ثبوتها، لذا تعددت المدارس الفقهية وتفرعت وكلها على صواب، ولا يفترض أن يكون بينها صراع ومعارك مثل ما هو حاصل مع الأسف، ومع مر الزمان لا يمكن للعلماء الاتفاق المطلق على المسائل، وستبقى الأحكام نسبية، يقول الإمام أحمد بن حنبل «من ادعى الإجماع فقد كذب».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢٢) صفحة (٩) بتاريخ (٢١-٠٨-٢٠١٦)