ولأهالي وادي قوب بمنطقة الباحة عاداتهم وتقاليدهم التي يحتفظون بها سواء في الزيجات أو الأعياد أو عند بناء البيوت أو في إصلاح ذات البين وكذلك عند تأديبهم لمن يخرج عن عصا القبيلة، وهي لا تختلف عن التنظيم الذي يسود منطقة الباحة بكاملها، إلا أن ثمة أسلوبا تأديبيا انتهجه أهالي بلدة رغدان – قبل عقود من الزمن – لمن يتخاذل عن رفيقه في السفر حيث وُضعت صخرة صغيرة أطلق عليها «حجر البياع» في موقع غير بعيد عن المسجد على حافة السوق الأعلى، ومن يُقدّم شكواه لجماعته بعد صلاة الجمعة عمّا بدر من رفيق سفره ويوثقها بالدلائل الدامغة، فإن ذلك كفيل بأن يَهبّ أفراد جماعته على المخطئ وإرغامه بضرب رأسه في تلك الصخرة حتى يتصبب الدم، عندها يحقق الرضا لرفيق سفره بأن أخذ جزاءه حتى يعتبر غيره، وهذا نوع من التأديب الجماعي لا مناص منه، ويهدف إلى مساندة المسافرين لبعضهم في الرخاء والشدة، وعدم التخاذل أو الخيانة خصوصا وأن السفر في الماضي كان مشيا على الأقدام أو ركوبا على الجمال، ويقضون أياما وأسابيع حتى يصلون إلى المدن الحجازية كالطائف ومكة المكرمة وجدة، أما من يتعدى على محارم المزارع أو الممتلكات الفردية أو حتى الجماعية أو الاعتداء بالخصومة والمضاربة فإن العقاب سيكون بعد صلاة الجمعة بمشاركة الجميع في إهانته وضربه، ويؤكد حرصهم على التكاتف والتعاون وعدم السماح لأحد أن يعتدي على الآخرين، لذا كان الجانب الإيجابي هو المميز حيث يهبّون جميعا لمساعدة المزارع عند تعرض مزرعته لجرف من جراء السيل، ويتنادون في بناء طريق العقبة عندما تتعرض للسيول الجارفة، وطريق العقبة تمت تسويته من الأماكن الآمنة وبناؤه من الحجارة ليُسهّل السير عبره من جبال السراة إلى سهول تهامة ولنقل منتوجاتهم الحيوانية والزراعية والمصنوعات اليدوية، وكانت هناك 3 طرق تصل السراة بتهامة «عقبة رغدان» وعقبة الباحة وثالثة في الظفير، ويحفظون أسواقهم الأسبوعية (الأحد برغدان، والخميس بالباحة، والثلاثاء بالظفير) من حدوث المشكلات ويضربون على يد المخطئ في حينه ويسعون للمساندة عند بناء المنازل وخصوصا عند تسقيف البيوت، ويسمى «يوم الطينة» هناك من يجلب التراب وعمل الطين وآخرون يحملون الأعشاب والخشب والنساء يجلبن الماء بواسطة القرب من الآبار، أما النقا فهو مشهد يثير العجب فالمخطئ الذي يعترف بخطيئته في حق العام ينقي خطيئته، ويتم وذلك بضرب جبينه أمام الجمع بحد الجنبية حتى يتصبب الدم، عندها يوقفه المجاورون من الاستمرار، هذا يعني أنه قدّم اعتذاره للجميع، وما أن ينتهي حتى ينشر القماش الأبيض على جانب السوق وتوزع أيضا قطع من ذلك القماش على هباطة السوق وكل فرد يلف القماش على هامته وهي وسيلة إعلامية بانتشار الخبر في كل القرى المجاورة وهذا يعطي دلالة على صرامة الرأي الجماعي ومن يتمرد سوف يقاطع ويعيش وحيدا وهذا كفيل بإجبار الجميع للخضوع لتلك الأحكام فلا يستطيع الشخص أن ينعزل عن الآخرين لحاجته لهم في شؤون الحياة الاجتماعية كالزواج والزراعة وبناء المنازل والحصاد والدياس وغيرها.
ومن يغدر بجاره ويعتدي عليه في خفية سواء على مزرعته أو حلاله، ولم يتبين الجاني فإن للأهالي طريقتهم حيث يقرر إمام المسجد مع الأهالي بالدعاء على من أضر بغيره بعد صلاة الجمعة مباشرة ويسمون ذلك أخذ (الراتب) والمقصود بذلك مشاركة الجميع بالدعاء على من اقترف الخطيئة على الغير، وما أن يسمع الجاني اعتزام جماعته قراءة «الراتب» حتى يسارع – في اليوم الذي يسبق موعد (الراتب) – إلى المتضرر ويخبره همسا وبتذلل بأن السفه وقلة العقل دفعاه إلى ذلك ويعتذر منه ويقبل رأسه ويقدم له تعويضا بما يرضيه ويرجوه بألا يصرف الجماعة عن الدعاء عليه لإدراكه بالضرر الذي سيلحق به وأهله، عندها يذهب المتضرر إلى إمام المسجد طالبا إلغاء ما عزموا عليه بالدعاء على الجاني، ومن يكابر من الجناة فسوف تقع عليه أو أحد أفراد أسرته أو في حلاله من ثروة حيوانية، وسيكون العقاب الإلهي واضحا للجميع، لذا يحرص أفراد القرية بعدم الاعتداء إطلاقا، وإن حدث فيحدث من القلة القليلة ولا مناص من عقاب يأتيه من دعوة المظلوم ولو بعد حين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢٤) صفحة (٨) بتاريخ (٢٣-٠٨-٢٠١٦)