عبدالله الحجي

عبدالله الحجي

عند ذكر فوائد السفر أول ما يتبادر للذهن بعض الأبيات التي تقول:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا ** وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تَفَرُّج هم واكتساب معيشة *** وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قـيل في الأسفار ذُلٌّ ومحنـة ** وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الـفتى خير له من قيامه ** بدار هوان بين واشٍ وحـاسد
بعد عناء عام كامل تحت ضغوط الحياة النفسية في بيئة العمل والدراسة والمنزل والبيئة الاجتماعية ما أحوج الإنسان إلى محطة يتوقف فيها ويستمتع برحلة سواء كانت قصيرة أو طويلة، دينية أو سياحية، داخلية أو خارجية ليحقق الفائدة الأولى ألا وهي تفريج الهم.
نعم إن هذا الفاصل إن تم استغلاله استغلالاً إيجابياً كان له الأثر الكبير على نفسيته في كسر الروتين وتجديد النشاط وإعادة شحن بطاريته ليعود بحيوية مستعيدا طاقته ونشاطه الذي يمكنه من زيادة الإنتاجية والإبداع والتميز. أما إن كان في سفره متعلقا ومرتبطا بكل ما كان يقوم به قبل سفره فكأنه لم يسافر ولن يستشعر قمة السعادة والراحة والاستجمام وسيبقى ملازما للروتين الذي اعتاد عليه، والغريب في الأمر أن بعض موظفي الشركات والمؤسسات لابد أن يفتحوا بريد العمل الإلكتروني في كل يوم ليتابعوا سير العمل وتطوراته ويتدخلوا في اتخاذ القرارات وتوجيه الإرشادات، وكأن العمل سيتعطل وينشل عند غيابهم، ولن أخوض في ذلك كثيرا فقد تناولته في مقال «مدير الريموت كونترول».
وإن كان للسفر فوائد جماء فلا يكلف الله نفسا فوق طاقتها، ولابد من مراعاة الظروف الصحية والقوة الجسدية التي تمكن المرء من الحركة والتنقل. كما لابد من مراعاة الظروف الاقتصادية والالتزامات المادية للشخص وترتيب الأولويات حسب الأهمية؛ لكي لا يتحمل فوق طاقته؛ فتكاليف السفر باهظة خصوصا في أيام الإجازات التي يتضخم فيها كل شيء من طيران وفنادق وغيره وتتضاعف التكلفة كلما بعدت المسافة، وطالت المدة، وازداد عدد الأفراد، وارتفع مستوى الخدمة.
ولكن كم هي نسبة الذين يمكنهم الاستفادة من الأسعار المخفضة خارج هذه الفترة؟! بالطبع النسبة قليلة جدا تنحصر فيمن ليس لهم علاقة بالمدارس. وكما قيل ما لا يدرك كله فلا يترك جله، ورُب رحلة قصيرة لم تتجاوز الثلاثة أيام كان لها مفعول وأثر إيجابي على النفس أكبر من رحلة استغرقت الأسابيع في أجمل بقاع الأرض.
بالإضافة إلى تفريج الهم والراحة والاستجمام وتوسيع الأفق والاستكشاف والاستفادة مما يستفاد منه من آداب وثقافات وحضارات وتجارب وعادات وتقاليد الأمم المختلفة، تختلف الفوائد من سفر إلى آخر، فمنها ما هو للتجارة وطلب العيش والرزق بعزة وكرامة في أرض الله الواسعة، ومنها ما هو لطلب العلم والمعرفة، ومنها ما فيه التعارف وكسب الأصحاب الأخيار مصداقا لقوله تعالى «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»، وهناك سفر يحتاجه الإنسان ليزيد من رصيده الأخروي وكسب شحنات روحانية لتقوية الجانب الإيماني.
كما أن هناك فوائد تنعكس على بناء شخصية الشخص وتنمية وتطوير مهاراته كالقيادة والإدارة والتخطيط والاعتماد على النفس والثقة بالنفس والمغامرة ومواجهة الأخطار والتواصل وكيفية التعامل مع الآخرين من جنسيات وثقافات مختلفة.

* الأبيات قيل إنها للخليفة علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) وقيل إنها للإمام الشافعي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢٥) صفحة (٨) بتاريخ (٢٤-٠٨-٢٠١٦)