سيكون لصمت الأطفال كل المزايا طالما أن صراخهم وبكاءهم لم يخترق حاجز الصوت العربي، ليعلن العصيان والاحتجاج على قطف أوراق النعناع من قلوبهم البريئة ونفضهم من سجادة الحياة بطريقة شرسة، لا تحمل أكثر من مفارقات الصورة واختلاف الوجوه التي تختم اعتراضها بالصمت.
فلم تكن المسافة بعيدة ما بين إيلان وعمران لكي يقول الصمت كل الحكاية لم تكن بعيدة عن محمد الدرة في فلسطين والطفولة المسحوقة والمعذبة المسافرة في خرائطنا التي نقف أمامها ونحن نراقب منصات الأخبار بلا حول ولا قوة، فكيف يمكن أن يفسر العلماء النفسيون والخبراء في مجال الإنسانية هذا الصمت المذهول العاجز؟ كيف يمكن أن لا تشهق مذيعة السي إن إن وهي لا ترى أكثر من دماء مسفوحة على وجه صامت؟ وكأن الواقع يسكب كأسه البارد على وجوه شاشات التلفزة ووسائل الإعلام لتزداد جمودا واستغرابا، لم يكن ذلك نموذجا لمكياج تنكري للاحتفال بالهالوين كان حقيقة للوحة الموت وألوان الدمار والدم، التي لم تتطلب ريشة فنان بل احتاجت لانهيار السقف العربي وتداعي جدار الحياة كي تطفو كل هذه الصور على سطح مياهنا رغما عنا وأصرت على بوح الأسرار.
كان العالم يقف في لحظة صمت ليسأل نفسه عن سر هذا الصمت ويمضي مرة أخرى إلى الضجيج، ليضخ أخبار اللاجئين الغارقين المتكررة وليكتب ملاحمه عن الأسقف العربية المنهارة وعن الطفولة التي غابت عن خريطة قلوبنا، هؤلاء الأطفال ليسوا أكثر من صفعة لضمير ميت لم يسأل نفسه يوما لماذا تدور كل هذه الرحى ومن سيدفع ثمنها؟ وما هي النهاية المتوقعة لهذا الخزي للضمير الإنساني الذي أوجده الله ليعمر الأرض ويعمرها بالعبادة والعمل هذا الإنسان الذي اختار طريق الحرب والفتن والمؤامرات ولم يترك للصغار مساحة لأرجوحة أو كأس حليب أو حتى وسادة خالية، ليحلم بحلوى أو بلعب. إن هذا الصمت الطفولي الكبير تجاوز العجز وأحلام الصغار إلى حالة الذهول، فأطفالنا الآن لا يصدقوننا وأن هذه الحياة «والتبات والنبات والصبيان والبنات» التي نختم بها قصصنا المكررة ففي طرف عين كل منهم ابتسامة ساخرة وخذلان صادر كل أحلامهم وحول وجوههم إلى قصص عابرة لا يثأر لأجلها أحد سوى بالصمت العاجز ثم بالنسيان، ذلك كل ما نستطيعه هو ترديد حكاية البطولات المندثرة.
ما أصعب العجز وقلة الحيلة! وما أروع الأمل يتطاير كالعصافير في كل مكان يرفرف ككل وجوه الصغار الذين بقيت أحلامهم شفافة كورق النشاف، ترقد خلف سرير غامض في انتظار حلول مواسم العصافير ليحلق السرير عاليا بعيدا عن رجم الطائرات وكوابيس الحرب وطلقات الرصاص.. عاليا نحو السماء، فهناك غيمة تكفي لميلاد المطر وهناك رحمة تتسع لأحلام الصغار لينشدوا ويفرحوا ويتنزهوا ويتركوا لنا صمتنا وجرحنا وملحنا وبكائياتنا وخذلان مفاوضاتنا، التي لم تنجب رغيف خبز واحداً يكفي أو قطرة ماء واحدة تشفي غليل العطشى لدفقات الحياة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢٦) صفحة (٩) بتاريخ (٢٥-٠٨-٢٠١٦)