محمد العمراني

محمد العمراني

هل ما تمر به المنطقة من أحداث متسارعة سياسية واقتصادية له علاقة بعقيدة الصدمة للاقتصادي الكبير فريدمان؟! سؤال مهم نطرحه لتحليل الأوضاع من ناحية اقتصادية وانعكاسها على الوضع الحالي. قبل 6 سنوات تقريباً وبعد انتهاء الأزمات الاقتصادية الأمريكية بدأ مشروع ما يسمى الربيع العربي في منطقتنا دون سابق إنذار، شاهدنا تغيراً سلميّاً في تونس لنظام قمعي وقوي ومتماسك!! ثم شاهدنا ثورة تليفزيونية بصيحات مصرية وأطاحت بفرعون مصر بعد 30 سنة في الحكم! ولم تكن ثورة الفاتح من سبتمبر بأحسن حالاً فلم تحتفل باليوبيل الذهبي حتى دك حلف الناتو حصون العزيزية في طرابلس! ثم اليمن وصولاً إلى سوريا التي كانت المخاض والمختبر الحقيقي لصناعة الأزمة وطرق إدارتها، وقد استطاع الغرب الأمريكي وشريكه الروسي تحريك المياه الراكدة ونقل الصراع الخفي بين القوى الإقليمية إلى السطح في الملعب السوري على مدار 6 سنوات دون تحقيق أي نتيجة غير القتل والتدمير وإشغال العالم بأزمة مختلقة هدفها إثبات أنه لا بد للعالم من قيادة تديره وفق مصالحها ورؤيتها. وهذا ما كان وحدث أيضاً في كل نظريات الحكم، لا بد من قائد يحكم ويسيطر وينفذ، ولا يوجد أجدر من واشنطن وموسكو في إدارة العالم مع تميُّز الأولى عن الثانية طبعاً، قبل هذه الأحداث المتسارعة كان العالم يعيش في نعيم النفط والصناعات الخفيفة والثقيلة، لكن فجأة وبمقدمات سريعة خرجت لنا دول أوروبية تعاني أزمات خانقة اقتصادية كاليونان وإسبانيا وامتدت إلى الهبوط الدراماتيكي لأسعار النفط العالمية والذهب، وبدأ العالم على نظير كارثة اقتصادية تعصف به لتدمر كل طموحات التنمية، لكننا لم نسمع من الدول القيادية أي صوت لوجود أزمات لديها؛ فها هي أمريكا تتغنى بنمو اقتصادها وزيادة معدل الوظائف الشهري ونمو أسواقها وزيادة صادراتها، وكذلك روسيا، فرغم ما يسمى عقوبات إلا أننا نجد أن كل مؤشرات النمو في معدلاتها المخطط لها، وأيضاً تفاجأنا ببريطانيا العظمى أنها على استعداد لضخ 300 مليار جنيه إسترليني لاقتصادها بعد انفصالها عن أوروبا! فهل نحن الآن تحت أزمة عقيدة الصدمة الفريدمانية؟!، عقيدة الصدمة مصطلح اقتصادي أطلقه السيد فريدمان خريج جامعة شيكاغو الأمريكية كلية الاقتصاد الشهيرة، وهو مصطلح تجديدي للنظام الرأسمالي، يقول فريدمان إن العالم يحتاج لأزمة حقيقية وكارثة لإدارته وإقناع الناس بالقليل، وجمهورية تشيلي أكبر مثال فبعد الانقلاب الدموي الذي قام به أحد الجنرالات العسكريين أشار فريدمان عليه بحرق جميع المدارس الحكومية والجامعات لتشتيت الناس، وفي نفس الوقت قامت الحكومة بشراء جميع المدارس الخاصة وإعطاء الشعب كوبونات دراسية مجانية كبادرة حسن نية فمات الشعب وانتصر الجنرال! وغيرها كثير من الدول كانت تحت رحمة الصدمة كإندونيسيا بعد تسونامي وغيرها.
فالعالم لكي يدار يحتاج لأزمة ولكارثة لقيادته، فالعقيدة مبنية أساساً على خفض تطلعات الشعوب الاقتصادية وقصر خطط التنمية وقبولهم بالقليل، فهل هذا هو المخطط لنا في عالمنا العربي بعد تدميرنا سياسيّاً؟ أم إنها فعلاً أزمة خانقة؟! وفي عالمنا العربي بعد أحداث ما يسمى بـ «الربيع» حدث تخلخل في وضع الاقتصادات العربية بسبب عدم وجود استقرار سياسي وأمني في دول قنوات الاتصال كمصر والعراق وسوريا واليمن، فكل هذه الدول بمواقعها الاستراتيجية تشرف على قنوات استيراد وتصدير وتواصل مع العالم الآخر، وبما أننا نعيش في سيناريو الصدمة لكم الآتي: مصر الكنانة كانت تعاني من مشكلات اقتصادية وليست أزمات لكنها متماسكة وهي دولة صناعات حربية ومصدِّرة للقطن والذرة والقمح، لكن بعد الانقلاب التليفزيوني تم الترويج لأزمة اقتصادية خانقة رغم أن أيّاً من الموارد لم يحدث له أي شيء، وزد على ذلك مساعدات مليارية من دول الخليج تكفي لبناء دولة جديدة، فما كان السر من وراء افتعال الأزمة؟. ليبيا بعد سقوط القذافي بالقوة العسكرية ماذا حدث؟ تسابق الرئيس ساركوزي والسيد كاميرون للحصول على النفط الليبي بسعر خارج تداول البورصات العالمية، مما أجبر أردوغان على تسميتها بالسرقة الكبرى!، سوريا حجر الدومين هي همزة الوصل والارتباط البري بين الخليج وأوروبا وحلم إيصال الغاز القطري من الدوحة إلى أوروبا لضرب المشروع الروسي وأيضاً هي من قلائل الدول المكتفية ذاتيّاً على جميع المستويات، فتدميرها خارج دمشق لمصلحة من؟!
انخفاض أسعار النفط هي الشماعة التي تعلق عليها كل التحاليل. لنبدأ أولاً بمفهوم الأزمة المالية أو الاقتصادية، وهي اختلال التوازن في الصادرات والواردات والانخفاض المفاجئ لقيمة أصول الدولة وعملتها وانهيار أسواق الأسهم وضرب سوق العقار والفقاعات السعرية، ورغم أن الاقتصاديين يسمونها دورة اقتصادية وليست أزمة، فلنأخذ بعض الأمثلة لتوضيح المفهوم في المملكة العربية السعودية، هل سعر 6000 ريال لمتر الأراضي داخل المدن عادل أم إنه كان نتيجة فقاعة سعرية من المضاربات الوهمية، فهل عودة السعر إلى وضعه الطبيعي أزمة! هل استئجار منزل بـ 100 ألف ريال سنويّاً وقيمته السوقية مليون ريال عادل! وغيرها من الأمثلة كثير، فكل ما تضخم كفقاعة لا بد أن يعود إلى وضعه الطبيعي، هذا لا يعني التأثر بهبوط أسعار النفط لكن إذا كانت تكلفة البيع أعلى من تكلفة الإنتاج أين المشكلة! من هنا نجد أن سيناريو الصدمة مفعل فعليّاً في الوقت الحالي لتصحيح الهيكلة الاقتصادية المتضخمة دون مبرر وعودة الأسعار والاستهلاك لطبيعته بالمقومات الواقعية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢٩) صفحة (٨) بتاريخ (٢٨-٠٨-٢٠١٦)