سلمى بوخمسين

سلمى بوخمسين

قبل عدة أيام كنت عائدةً إلى المنزل بعد نهارِ عملٍ طويلٍ ومتعب، كانت يداي محمَّلتين بعددٍ لا بأس به من الحقائب الأمر الذي أعاقني عن استخراج المفتاح من أعماق الحقيبة، عوضاً عن ذلك طرقت الباب حتى يهبَّ أحد صغاري فيفتحه. تقدَّم ابني البكر الذي يقف حالياً على مشارف سنوات مراهقته وفتح لي باب شقتنا الموصد، وفور دخولي طبعت على خده المكتنز قُبلة أمومية حنونة، ابتسم بخجل وقدم لي خده الآخر. في اليوم التالي تكرر السيناريو ذاته، طرقت الباب فتقدم ابني لفتحه، استقبلني فضممته إلى صدري وقبَّلته. في اليوم الثالث ولعدة أيام تالية رغم أني كنت أستخدم مفتاحي لفتح الباب كنت أجد ابني العزيز واقفاً قرب الباب لاستقبالي منتظراً قُبلته!! عجيب، لقد توقف ابني هذا عن استقبالي والقفز بين ذراعيَّ فور وصولي إلى المنزل منذ أعوام. كنت متأكدة أن هذا جزء من نضجه والتغيرات السيكولوجية المرافقة لذلك. ظننت فيما لا يدع مجالاً للشك أن صغيري المشغول بأجهزته الذكية وبرامجه لم يعد بحاجة إلى قُبَلي. سرحت مع أفكاري قليلاً أحلل التغيير المفاجئ في سلوك ابني، عُدت بأفكاري لأعوام خلت أحاول أن أستدرك متى توقف ولِمَ توقف ولِمَ عاد الآن! النتيجة التي توصلت إليها صادمة وشكَّلت لي لحظة يقظة مهمة. طوال أعوام ظننت أنه هو من تغيَّر حتى اكتشفت أنني أنا من تغيرت. لقد كنت أقدِّم أخته الصغرى عليه وأغدق عليها من حبي وعاطفتي. لم يعد استقباله لي يُسعده بل ربما كان يحرقه بنار الغيرة. حينها لم أتوقف عند تحليلي علاقتي بابني بل تعديتها لجميع العلاقات. هل ما نلاحظه أحياناً من تغير في التعامل أو جفاء أو حتى قطيعة هو فعلاً نتاج تغير مشاعر الشخص الآخر تجاهنا، أم ردود أفعال لتصرفاتنا التي بطبيعة الحال لم ندركها؟! هل ما نقرأه أحياناً على أنه غرور أو تكبُّر أو استغناء عن علاقة حميمة جمعتنا لأعوام أو إقصاؤنا من مجموعة أصدقاء معينة مثلاً هو فعلاً نتيجة خروجنا من قلوب هؤلاء أو سقوطنا من أعينهم، أم مجرد ردة فعل لما قرأوه منا؟! علينا أن نتذكر جميعاً أن الناس لا تعرف ما يجول في قلوبنا، وليس لديها اطلاع على حقيقة مشاعرنا، إنها فقط وفقط تستطيع أن تحكم على تصرفاتنا. لذا فكونك لا تزال تحمل قدراً كبيراً من المَعزَّة والحب لفلان لا يعني أي شيء له إن لم توثِّق تلك المشاعر الطيبة بالتواصل والسؤال والزيارة. عُد بذاكرتك قليلاً، من كان البادئ بهذه القطيعة. ما آخر ما قلته أو فعلته لفلان هذا! هل من الممكن أنك جرحته أو أسأت إليه دون أن تدرك! هل من الممكن أنك ولمرات عديدة تخلَّفت عن تلبية دعوته مثلاً! المهم أعزَّتي وما أرمي إليه هنا أنكم أنتم قد تكونون السبب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢٩) صفحة (٨) بتاريخ (٢٨-٠٨-٢٠١٦)